خَصائِصُ الأئمَة عليهم السلام
خصائص أمير المؤمنين عليه السلام
(1)
تأليف
الشريف الرضي
أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي البغدادي
359 ـ 406
تحقيق وتعليق :
الدكتور
محمد هادي الاميني
بسم الله الرحمن الرحيم
إلهي ... بقدرتك علي تب علي ... وبحلمك عني اعف عني ... وبعلمك بي ارفق بي ...
إلهي ... لا تجعلني لغير جودك متعرضا ... ولا تصيرني للفتن غرضا ... وكن لي على الاعداء ناصرا ... وعلى المخازي والعيوب ساترا ... وعن المعاصي عاصما ...
إلهي ... إعطني بصيرة في دينك ... وفهما في حكمك ... وفقها في علمك ... وكفلين من رحمتك ...
إلهي ... تقبل مني وأعل ذكري ، وارفع درجتي ، وحط وزري ... ولا تذكرني بخطيئتي ... واجعل ثواب مجلسي ، وثواب منطقي ، وثواب دعائي ، رضاك والجنة ...
قوبلت وصححت على نسخة السيد الفقيه الامام ضياء الدين أبي الرضا
فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني الراوندي الكاشاني المتوفى 570 هـ .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله امناء الله
منذ إنطلاقة الشرارة الاولى ، للثورة الشعبية الاسلامية في ايران عام 1357 هـ . ش ، الموافق سنة 1399 هـ . ق ، بقيادة الزعيم الديني المقدام ، الامام الخميني بارك الله في ثورته وعمره طلب من المسؤولين كافة ، والقائمين بشؤون الدولة ، أن يجعلوا رسالة الاسلام الخالدة نصب أعينهم ، ويسيروا على هديه وهداه في الجوانب كافة ، ويعاملوا الشعب ويأخذوا القضايا والاحداث والقوانين حسب ما يقتضيه التشريع الاسلامي ، وتتطلبه قوانينه وانظمته التي جاء بها المشرع الاعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي بعث رحمة للعالمين . . لان الثورة المظفرة هذه انبثقت من صميم الواقع الاسلامي الذي مهد للشعب الايراني المسلم طريق التحرر والانطلاق ، ودفعه إلى اليقظة والوثبة ، والثورة على الطغاة ، والظالمين والمستبدين ، العاملين للحواجز السياسية الدخيلة ، للحيلولة بين الشعوب ، ورسالة الاسلام .
ولما كانت الثورة الاسلامية المظفرة في ايران مدينة بكاملها للاسلام وجاءت الانتفاضة الشعبية لهذا الغرض ، فلا بد من العمل في إعادة الجوانب كافة إلى مهيع الحق ، والصراط المستقيم ، وإنقاذها من مخالب التيارات الدخيلة ، سيما الجانب الفكري والعلمي ، الذي تلاعب بهما العهد المقبور واتخذهما ذريعة لمآربه الشيطانية ، ووسيلة في خدمة سياسة أسياده التوسعية
لذلك أصبح الشعب بمعزل عن عقيدته ، ودينه ، وشخصيته ، وتفكيره الصحيح ، ونهجه القويم الذي خطه من قبل الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله ، ومن بعده الائمة الهداة المهديون عليهم السلام ، ومن ثم فقهاء الطائفة وأعلامها .
وفي خلال فترة قصيرة من الزمن ، تمكنت الجمهورية الاسلامية في زحفها المقدس من إقامة مجاميع وندوات ، وجامعات تخدم الشخصية الاسلامية ، وتساند الحضارة الفكرية والعلمية وعلى الاخص في العواصم ، والحوزات الدراسية في عرض البلاد وطولها .
ولما كانت مدينة « مشهد » المقدسة البطلة ، على جانب هام من الناحية الفكرية والاجتماعية ، وموقعها الخطير بين سائر الالوية الايرانية لذلك وجهت القيادة عنايتها ، ورعايتها لهذا البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه فأقامت فيه إلى جوار مرقد الامام أبي الحسن الرضا عليه آلاف التحيات والبركات جامعة للعلوم الاسلامية على نسق حديث للتدريس والدراسة إلى جانب إقامة مجمع « للبحوث الاسلامية » للتأليف والتحقيق والنشر ، وقد زاول عمله النشاطي منذ عام بحول الله وقوته ، مكللا بالنجاح والسداد والموفقية برعاية سادن الروضة الرضوية المباركة فضيلة العلامة الجليل سماحة الشيخ عباس الطبسي بارك الله تعالى في عمره وأخذ بعضده .
هذا وفي الوقت الذي تقدم المجمع إلى ميدان النشر والطبع ، إرتأى المجلس الاعلى لادارة « مجمع البحوث الاسلامية » تدشين سلسلة مطبوعاته بكتاب « خصائص الائمة عليهم السلام » لابي الحسن الشريف الرضي . . . رضي الله عنه ، وذلك بمناسبة الذكرى الالفية لوفاته التي تجتاز البلاد خلال الشهور هذه ، وتتأهب بعض الاقطار الشقيقة لاقامة مهرجانات ومؤتمرات علمية لها أمثال الهند ، والپاكستان ، وسوريا ، وكذا الجمهورية الاسلامية الايرانية والكتاب هذا ، أثر قيم وجهد حيوي ، ستقرأ تفاصيله في المقدمة ، وقد تصدى إلى تحقيقه وإخراج أسانيد أحاديثه ، ومصادره الاستاذ الدكتور الشيخ محمد هادي
الاميني نجل الفقيه المؤرخ والحجة الثبت شيخنا العلامة الاميني طيب الله ثراه ، مؤلف كتاب « الغدير » والواقع إنه أعاد للكتاب إصالته العلمية ، وقيمته التاريخية .
إن مديرة « مجمع البحوث الاسلامية » في الوقت الذي تتقدم بشكرها الجزيل لسدنة الروضة المقدسة ترجو العلي القدير التوفيق والتسديد في هذا الصعيد الفكري ومواصلته لتقدم إلى المكتبة الاسلامية وأبناء القرآن المتعة العلمية الحية ، والبحوث التي تساند الثورة الاسلامية المظفرة في زحفها المقدس ومن الله التوفيق .
مجمع البحوث الاسلامية
الآستانة الرضوية المقدسة
مشهد ـ ايران
ص ، ب : 3663
صفر 1406 هـ . ق
آبان 1364 هـ . ش
المقدمة
لا مشاحة في أن كتاب « خصائص الائمة » كان الباعث والحافز للسيد رضي الدين ذي الحسبين . . رضي الله عنه ، في جمع وتأليف كتابه المقدس « نهج البلاغة » وإن لم يكمل كتابه الاول ، ولم يخرج منه غير خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، إلا أن التوفيق بكامله كان حليفه في تأليف كتابه الثاني « نهج البلاغة » والواقع ان كتاب « الخصائص » يعتبر بابا لتأليفه الآخر كما صرح في مقدمة « النهج » فقال :
ـ كنت في عنفوان السن وغضاضة الغصن ، إبتدأت بتأليف كتاب في « خصائص الائمة » يشتمل على محاسن أخبارهم ، وجواهر كلامهم ، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب ، وجعلته امام الكتاب ، وفرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا ـ عليه السلام ـ وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الايام ، ومماطلات الزمان وكنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا ، وفصلته فصولا ، فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه عليه السلام ، من الكلام القصير في المواعظ ، والحكم ، والامثال ، والآداب ، دون الخطب الطويلة ، والكتب المبسوطة ، فاستحسن جماعة من الاصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره ، معجبين ببدائعه ومتعجبين من نواصعه ـ .
انّ هذا الكلام من الشريف الاعلم . . إن دل على شئ فإنما يدل على انه كان يعرض ويقرأ كتاباته على تلاميذه ، والذين يحضرون مدرسته « دار العلم »
في بغداد للاخذ من موارد علمه الخصب والتي يتطلع إليها كل لبيب ، وذي عقل ، وطالب علم وأدب في اللحظات كافة . . فلما ألقى عليهم الفصل المتضمن لمحاسن ما نقل عنه عليه السلام ، تقدموا إليه بطلب كريم مما جعله ينصرف عن إتمام كتابه « الخصائص » ويتحول إلى وضع خطط وأسس تأليفه القيم « نهج البلاغة » فقال بعد كلامه السالف بهذا الصدد :
« وسألوني عند ذلك أن ابتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في جميع فنونه ، ومتشعبات غصونه ، من خطب وكتب ، ومواعظ وآداب ، علما ان ذلك يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ، مما لا يوجد مجتمعا في كلام ، ولا مجموع الاطراف في كتاب »
ومن هنا نجد الرضي العليم يتحول بكامل حيويته الادبية وشخصيته العلمية الفذة ، إلى جمع كلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، الامام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ويضع كتابه « الخصائص » جانبا ويندفع إلى التنقيب عن كلام الامام عليه السلام ، وجمعه من بطون المراجع والمصادر النادرة ، ومن ثم تصنيفه وتقسيمه إلى ثلاثة أبواب :
الخطب والاوامر . .
الكتب والرسائل . .
الحكم والمواعظ . .
واجمع بتوفيق الله تعالى على الابتداء بإختيار محاسن الخطب ، ثم محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم والادب ، مفردا لكل صنف من ذلك بابا ومفصلا فيه أوراقا .
وهكذا يتحول السيد الرضي . . . من كتاب « خصائص الائمة » إلى تأليف كتاب « نهج البلاغة » الذي بلغ من السمو والرفعة والخلود ، ما لم يبلغه كتاب غير القرآن الكريم .
كتاب خصائص الائمة
لقد سبق القول أن لم يخرج من هذا الكتاب غير الفصل الخاص بالامام أمير المؤمنين عليه السلام . . . وهو كبقية تصانيفه رضي الله عنه . . ضم بين دفتيه العلم الكثير ، والادب الجم ، والحيوية الفكرية ، وتداوله العلماء والمؤلفون على إمتداد التاريخ ، ونقلوه واستنسخوه واكثروا من نسخه ، وحافظوا عليه إلى يومنا هذا .
امّا الدافع إلى تأليف كتاب « الخصائص » فقد ذكر ذلك في مقدمة الكتاب فقال : ـ كنت حفظ الله عليك دينك ، وقوى في ولاء العترة الطاهرة يقينك ، سألتني أن أصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الائمة الاثنى عشر صلوات الله عليهم ، وبركاته ، وحنانه ، وتحياته ، على ترتيب أيامهم ، وتدريج طبقاتهم ذاكرا اوقات مواليدهم ، ومدد أعمارهم . . .
ثمّ يقول بعد كلام طويل : « فعاقني عن إجابتك الى ملتمسك ما لا يزال يعوق من نوائب الزمان ، ومعارضات الايام إلى أن أنهضني ذلك اتفاق إتفق لي ، فاستثار حميتي ، وقوى نيتي ، واستخرج نشاطي ، وقدح زنادي ، وذلك ان بعض الرؤساء ممن غرضه القدح في صفاتي ، والغمز لقناتي ، والتغطية على مناقبي والدلالة على مثلبة إن كانت لي . . . لقيني وأنا متوجه عشية عرفة من سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة ( 383 ) هجرية إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر ، وأبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهما السلام للتعريف هناك ، فسألني عن متوجهي فذكرت له إلى أين قصدي ؟ فقال لي : متى كان ذلك يعني ان جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف ، والبرائة ممن قال بالقطع ، وهو عارف بان الامامة مذهبي ، وعليها عقدي ومعتقدي ، وإنما أراد التنكيت لي والطعن على ديني ، فأجبته في الحال بما اقتضاه كلامه ، واستدعاه خطابه ، وعدت وقد قوي عزمي ، على عمل هذا الكتاب إعلانا لمذهبي ، وكشفا عن مغيبي ، وردا على العدو الذي يتطلب عيبي ، ويروم ذمي ، وقصبى ، وأنا بعون الله مبتدى بما ذكرت على الترتيب الذي شرطت ، والله
المنقذ من الضلال ، والهادي إلى سبيل الرشاد ـ . »
فشرع بتأليف كتاب « الخصائص » عام 383 هجري ، وبعد الفراغ من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، شرع في تأليف كتاب « نهج البلاغة » ومن ثم لم يمهله الاجل المحتوم ، ولم يسمح له بالعودة إلى كتابه « الخصائص » والرجوع إليه وإتمامه ، فتوفي سنة 406 هجرية .
نقل العلماء عن هذا الكتاب واستفادوا منه ، واستشهدوا بنصوصه ، وكانت منه عدة نسخ خطية في مكتبات ايران والعراق والهند . . وطبع في النجف الاشرف سنة 1368 هجرية في 100 ص ، واعيد طبعه مرات عديدة غير أن الكتاب جاء مشحونا بالاغلاط والتصحيف والتحريف ، ولم ينل من المؤسف كله الحظ من التصحيح والتحقيق والتعليق ، والمقابلة ومراجعة نصوصه ، وتعيين مصادره وأسانيده فقد طبع كما وجد ، والمطبوع نسخة المرحوم العلامة الجليل السيد عبد الرزاق بن السيد محمد الموسوي المقرم المتوفى 1391 وقد كتبها عام 1349 هجري من نسخة مكتبة الفقيه الشيخ هادي بن الشيخ عباس آل كاشف الغطاء المتوفى 1360 ، وتاريخ كتابتها سنة 1300 هجرية .
والغريب أن دور النشر أعادت طبع الكتاب على ما هو عليه من التصحيف والتحريف والاغلاط ، ولم تصحح منه حتى الاغلاط الاملائية والكتابية .
لقد شاءت الايام أن أجعل الكتاب في قائمة الكتب التي نويت تحقيقها ، وتصحيحها ، وإخراجها بصورة صحيحة بحول الله وقوته . . . منذ أمد بعيد حسبما يقتضيه ، ويتطلبه الوقت والتوفيق . . . بيد ان الذكرى الالفية على وفاة الشريف الرضي كرم الله وجهه . . دفعتني إلى تحقيقه وجعله في الرعيل الاول من تلكم الكتب ، فتقدمت إلى تحقيقه ، وإخراجه مع تزاحم أعمالي الفكرية ، وتراكم شؤوني في حقلي البحث والتأليف .
عملي في تحقيق الكتاب :
امّا منهجي في تحقيق الكتاب ، فقد فتشت عن نسخ الكتاب وقلبت
فهارس خزائن الكتب ، إلى أن وقفت على أقدم نسخة مخطوطة منه كتبت في القرن السادس الهجري ، وهي من مخطوطات إحدى مكتبات الهند وتوجد مصورتها بالميكرو فيلم في مكتبة العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي في مدينة ـ قم ـ فتفضل بها علي مشكورا ، وتقع في 40 ورقة كتبت على عمودين 21 × 30 في كل صفحة 25 سطر طوله 8 سنتيم وعليها خطوط وتملكات عتيقة مؤرخة ، وهي مصححة من قبل الامام الفقيه السيد ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني الراوندي الكاشاني المتوفى 570 هجري . بالاضافة إلى الزيادات الحاصلة فيها ، وقد جعلتها في الاخير وألحقتها بآخر الكتاب .
ففي الصفحة الاولى من النسخة جاء ما لفظه :
ـ قرأ الخصائص علي . . . وجيه الدين فخر العلماء أبو علي عبد الله بن الحسين بن أبي القاسم دامت نعمتهما ، ورويتها له عن شيخي أبي الفتح إسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الاخشيد السراج ، عن أبي المظفر عبد الله بن شبيب عن أبي الفضل الخزاعي ، عن الرضي رضي الله عنه ، وكتبه فضل الله بن علي الحسني إبن الرضا الراوندي في ذي القعدة من سنة خمس وخمسين وخمسمائة ( 555 ) حامدا لله تعالى مصليا على ـ .
وجاء في آخرها :
ـ تمّت كتابة كتاب خصائص الائمة عليهم السلام ، وفرغ من كتبه العبد المذنب الراجي إلى غفران الله وعفوه عبد الجبار بن الحسين بن أبي العم الحاج الفراهاني ، الساكن لقرية خومجان عمرها الله يوم الاربعاء الرابع من شوال سنة ثلاث وخمسين وخمسمائه . مئة غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، إنه الغفور الرحيم ـ .
الصفحة الاولى من نسخة الفقيه الراوندي
أول الكتاب من نسخة الامام الراوندي
آخر النسخة المذكورة
وجاء في موضع آخر من الكتاب :
ـ إنتهت الزيادة ...
بحمد الله ومنه وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين .
وفرغ من كتبه العبد المذنب عبد الجبار بن الحسين بن أبي العم الحاجي الفراهاني يوم الاربعاء التاسع عشر من جمادى الاولى من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ( 553 ) في خدمة مولانا الامير الاجل السيد ضياء الدين تاج الاسلام أبي الرضا فضل الله بن علي بن عبيد الله الحسني أدام الله ظله ، وقد آوى إلى قرية جوسقان راوند متفرجا حامدا لله ومصليا على النبي وآله اجمعين والسلام ـ .
وجاء في هامش الصفحة الاخيرة :
ـ وقع الفراغ من سماع هذا الكتاب بقراءة من قرأه على السيد الاجل الامام ضياء الدين تاج الاسلام حرس الله . . وقت الزوال في يوم الخميس من شهر جمادي . . سنة أربع وخمسين وخمسمائة حامدا لله ومصليا على نبيه محمد وآله اجمعين ـ .
لقد حققت النسخة وأعلمت مصادر الموضاعات ، والاحاديث الواردة فيها ، بصورة كاملة إلى جانب ذكر أسانيد الاخبار والروايات ، بالاضافة إلى مقابلة نصوص النسخة مع سائر المراجع والمصادر التي وردت فيها تلكم النصوص .
وختاما شكرى المتواصل لاعضاء ـ مجمع البحوث الاسلامية ـ متمنيا لهم التوفيق والنجاح في إخراجهم الكتاب بهذا الشكل الانيق . . كما أرجوا الله تعالى بعملي هذا بعد أن حققت أصل الكتاب وضبطت نصوصه ويسرته للانتفاع به . . أن يجعله مقرونا بالقبول ، وأن ينفع به انه نعم النصير . . وأكرم مسؤول ...
أبو علي
محمد هادي الاميني
عفا الله عنه وعن والديه
محرم 1406 هـ . ق
الشريف الرضي (1)
بو الحسن محمد بن ابي أحمد الطاهر « ذي المنقبتين » الحسين بن موسى الابرش بن محمد الاعرج بن موسى « المعروف بأبي سبحة » بن ابراهيم ( الاصغر ) بن الامام موسى بن جعفر عليهم السلام .
وأمه فاطمة بنت أبي محمد الحسين الناصر الصغير بن أبي الحسين أحمد (2) ابن محمد الناصر الكبير الاطروش (3) بن علي بن الحسن بن علي الاصغر ابن عمر الاشرف بن الامام زين العابدين عليهم السلام .
كانت أسرة الشريف من طرف الابوين بهاليل مساعير ، فيهم من دوخ الملوك ، ونابغ في العلم والادب ، وشاعر مجيد ، ولابيه الطاهر ذي المنقبتين احمد المقام الرفيع في الدولة مع اباء وشهامة (4) وقد قلد النقابة خمس مرات (5) ، و
____________
1 ـ هذه الترجمة كانت بقلم المرحوم السيد عبد الرزاق المقرم . . وقد اجريت عليها زيادات هامة .
2 ـ سماه ابن الاثير ج 8 ص 26 حوادث سنة 301 الحسن .
3 ـ عند ابن الاثير السبب في صممه ضربة بالسيف على رأسه في حرب محمد بن زيد .
4 ـ يشهد لذلك ما في معجم الادباء ج 2 ص 110 ط 2 ان أحمد بن ابراهيم الضبي الوزير توفى سنة 399 في بروجرد وأوصى ان يدفن بمشهد الحسين عليه السلام ، وكتب إبنه إلى أبي بكر الخوارزمي شيخ الحنفية في بغداد ان يبتاع له تربة في المشهد الحسيني فذكر أبو بكر للشريف الطاهر أبي أحمد ( والد الرضي والمرتضى ) فقال : هذا رجل قد التجأ إلى جوار جدي ولا اخذ على تربته ثمنا ، ثم اخرج تابوته الى ( براثا ) وخرج معه الشريف أبو أحمد والاشراف والفقهاء ، وصلى عليه الشريف أبو أحمد ، واصحب معه خمسين رجلا من خاصته حتى أوصلوه الى كربلاء ودفن هناك .
5 ـ شرح النهج الحديدي ج 1 ص 10 .
تولى النظر في المظالم ، والحج بالناس مرارا (1) ، وان جلالة قدره أهلته للسفارة بين معز الدولة ، والاتراك ، وبين بهاء الدولة ، وصمصام الدولة ، كما توسط للصلح بين بهاء الدولة ، ومهذب الدولة (2) . وكان رسولا من معز الدولة إلى عضد الدولة في رد غلام أسره عنده (3) ووسيطا في الصلح بين معز الدولة ، وبين أبي تغلب بن حمدان (4) إلى أمثال هذه القضايا التي لم يعهد بها إلا لذي كرامة سامية بين الجماهير ، واحترام ذاتي غير مستعار .
وأما عم الشريف الرضي ، وهو أبو عبد الله أحمد بن موسى الابرش ، فلم يكن خامل الذكر وضيع الشأن ، يعرفنا خروجه إلى واسط لاستقبال بهاء الدولة ، وكان من الطالبيين الذين أسهموا بالفخار والكرامة ، فإنه لا يستقبل الملوك إلا من يعرفه الملوك ، ويقدرون موقفه ومنزلته .
ومن أسرة والدته : أبو علي الشاعر المجيد الذي أشخصه الرشيد من الحجاز ، وحبسه في بغداد وافلت من حبسه واختفى فيها (5) .
ومحمد بن القاسم الصوفي الزاهد الفقيه الذي ظهر ايام المعتصم في ( الطالقان ) وقبض عليه ابن طاهر وانفذه الى بغداد فسجن ثم فر فاخذ وقتل صبرا (6) .
والناصر الاطروش صاحب الديلم (7) . والناصر الصغير الحسن بن أحمد بن
____________
1 ـ وفيات الاعيان ج 2 ص 107 ط ايران .
2 ـ ذيل تجارب الامم ص 268 حوادث سنة 835 .
3 ـ المنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 83 حوادث سنة 366 .
4 ـ ابن الاثير ج 8 ص 208 .
5 ـ شاعر مغمور لم اجد له ترجمة في المعاجم .
6 ـ أبو جعفر محمد بن علي بن عمر الحسيني العلوي الطالبي المقتول بعد 219 وكان يلقب بالصوفي لادمانه لبس ثياب من الصوف الابيض ، وهو فقيه عالم زاهد قال المسعودي : وقد انقاد الى امامته خلق كثير .
مقاتل الطالبيين | 577 . البداية والنهاية 10 | 282 . الاعلام 7 | 225 . 7 ـ الحسن بن علي بن الحسن بن علي العلوي الاطروش . . اعيان الشيعة 21 | 170 . تاريخ الطبري 10 | 149 .
الناصر الكبير أبي محمد الحسن بن علي الحسيني المقتول بآمل سنة 304 والنقيب ببغداد صاحب الناصريات في الفقه المطبوع مع عدة كتب في مجموع عرف ( بجامع الفقه ) (1) .
وكانت والدة الشريف الرضي فاطمة من النساء البرزة الرزان ، أرضعته مع درها اماني النقابة والخلافة ، وقصت عليه مآثر ابائها المصاليت البهاليل ، وانفحته بالمال الذي احتوت عليه من آبائها ، وفي رثائها يقول الشريف ولدها :
آباؤك الغـر الـذين تفجـرت
بهـم ينـابيـع من النعمـاء
من نـاصر للحـق أو داع إلى
سبل الهدى أو كاشف الظلماء
نـزلوا بعرعرة السنام من العلى
وعلوا على الاثباج والامطاء (2)
كانت فاطمة والدة الشريف الرضي ، ابنة أخت زوجة معز الدولة أميرة البلاط ، وابنة خالة بختيار بن عز الدولة ، وهذه المصاهرة عقدت على حساب وتدبير ، ومن أسبابها تجليل مقام الناصر الكبير الاطروش الجد الاعلى لوالدة الشريف الرضي ، وربما كان أبو أحمد والد الشريف زوجها يعمل السعاة الذين يسرون بانباء العاصمة الى والي الاهواز معز الدولة ويعرفونه ضعف الخلافة ، ويستثيرون همته لامتلاكها ولجلالة والدة سيدنا الشريف وكبر شأنها الف شيخنا المفيد (3) كتاب احكام النساء (4) لها فانه قال في أوله : فاني عرفت من آثار السيدة الجليلة الفاضلة ادام الله عزها جميع الاحكام التي تعم المكلفين من النساء ، وتخص النساء منهن على التمييز لهن ، ليكون ملخصا في كتاب يعتمد
____________
1 ـ الذريعة 20 | 370 .
2 ـ ديوان الشريف الرضي 1 | 20 .
3 ـ الشيخ الاكبر أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن نعمان البغدادي المتوفى 413 ه .
4 ـ الكتاب مرتب على ابواب أوله : الحمد لله الذي هدى العباد الى معرفته ويسر لهم سبيل . . كانت منه نسخة عتيقة في مكتبة المرحوم الشيخ عبد الحسين بن القاسم بن صالح بن القاسم الحلى المتوفى 1377 . وكان من شيوخ الادب ومشاهير الفقهاء وله تأليف . الذريعة 1 | 302 . معجم رجال الفكر والادب | 137 .
للدين ، ويرجع إليه فيما يثمر به العلم واليقين ، واخبرتني برغبتها ادام الله توفيقها في ذلك الخ (1) .
وعلى كل فالشريف الرضي كان بحاشيتي نسبه قابضا على عضادتي الامامة فهو ابن الامامين زين العابدين علي بن الحسين ، وابي ابراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليهم السلام ، ومن ناحية الاعمام ولاخوال يكرع بكؤوس الفخار ويتزمل مطارف العلا وقد أثر هذا النسب الوضاح في شعره وتمشى في أدبه فيقول :
ما عذر من ضربت به أعراقه
حتى بلغن إلـى النبي محمـد
أن لا يمـد إلى المكارم باعه
وينال منقطع العلا والسؤدد (2)
ومن يقرأ شعر الشريف الرضي بتأمل يعرف نفسيته وطموحه الى الخلافة واولويته بها وتباهيهه بخيمه ، وتمجده بآبائه الاكارم ، وشعره ميادين حروب ، وغمرات اجال ، وشعور ملتهب ، ونفس جائشة تتلمض للوثبة والانطلاق والتحرر كل ذلك للاغلال التى ارهق بها رهطه الانجاد والسجون التي اوصدت عليهم ، والدماء السواجم التي اراقتها سيوف الظلم والعدوان والتمادي وهذا هو الذي أودع فيه روحا متحمسة وثابة ماثلة بين عيني المتصفح لديوانه .
ولا غرابة في ذلك بعد ان انحدر السيد الشريف من أصلاب الشرف العلوي ، ودرت عليه اخلاف المجد الهاشمي ، وبزغ في ظلال اسرة الزعامة والعظمة ، ودرج في احضان الامامة فكان لهذا أثر بليغ في ترفعه وشممه ومحاولاته وعواطفه وميوله ، حتى اوجب لنفسه الكفاية في تسنم اريكة الخلافة ، فيقول مخاطبا الخليفة العباسي القادر بالله :
عطفا أمير المؤمنين فإننا
عن دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت
أبدا كلانا في المعالي معرق
____________
1 ـ مستدرك الوسائل 3 | 516 .
2 ـ ديوان الشريف الرضي 1 | 273 .
إلا الخلافة ميزتـك فانـني * انـا عاطل منهـا وانت مطوق (1)
فلم ينكر عليه الخليفة ولا استظهر بطيب مغرسه ، نعم رد عليه بقوله :
( على الرغم أنف الشريف ) (2)
ان نفس الشريف أبية صعبة المراس ذات اتجهات واسعة في السياسة ، وكان الامراء ورجال الدولة يقدمونه على اخيه « علم الهدى » لما يجدون فيه من الاباء والعزة والترفع ، وعدم قبول الصلات .
ولكنه بالرغم من ذلك كان خاضعا لحكم عضد الدولة الشائن مع عمه وأبيه المعتقل لهما في القلعة من فارس (3) .
وكان اعتقاله حين دخول عضد الدولة إلى بغداد سنة 367 فبقي معتقلا فيها إلى سنة 376 أي بعد وفاة عضد الدولة بأربع سنين فانه توفى سنة 372 عندما دخلها شرف الدولة ، وللشريف الرضي المولود سنة 359 يوم اعتقال أبيه ثمان سنين ، واطلق سراحه وهو ابن ست عشرة سنة (4) .
ولما دخل شرف الدولة بغداد فاتحا سنة 375 ، انعقدت صلاته مع الطاهر ابي أحمد ، والد الشريف الرضي وأقره على النقابة وادنا قربه ، وهنا نرى الشريف الرضي في هذا الدور قلق الفكر لعدم توثق صلاته بالقادر بالله العباسي ولم يحصل على محاولاته وربما عضته نكبة في حياته السياسية ، فيثور ملتهبا وينبه اولياء الامور باهتضامه ويتوعدهم بالالتجاء إلى من يرعى حقه ويحفظ حرمته فيقول من مقطوعة له :
ألبس الذل في ديـار الاعادي * وبمصر الخـليفـة العـلوي
وعليها استشاط القادر ، وصرفه عن النقابة .
____________
1 ـ ديوان الشريف الرضي 2 | 544 .
2 ـ شرح النهج لابن ابي الحديد 1 | 11 .
3 ـ تجارب الامم 2 | 399 حوادث سنة 369 هج .
4 ـ الشريف الرضي | 156 و 157 .
وظائفه في الدولة
في سنة 388 قلده بهاء الدولة خلافته في بغداد وخلع عليه خلعا فاخرة ، وفيها ولاه نقابة العلويين ، واما ولاية المظالم فكانت وظيفة تخص الملوك والخلفاء فانهم يجلسون يوما خاصا في السنة ، يؤذن فيه لارباب المظالم برفع ظلاماتهم مباشرة سواء نظر فيها القضاة أم لا ، وقد يقوم مقامهم نائب خاص ينظر في المظالم ويشترط فيه كونه من بيت شرف ومنعة وطهارة وعفاف وفقه واسع بجميع الاحكام الشرعية ، ففي سنة 388 قام الشريف الرضي بهذه الوظيفة بالنيابة عن بهاء الدولة .
وفي سنة 397 بعث بهاء الملك من البصرة إلى بغداد مرسوما ، بتولية الشريف امارة الحج ، وكان الشريف ممارسا لها منذ صباه تولاها في أغلب أعوام عمره نائبا عن أبيه ومستقلا (1) .
القابه
ان من العادات القديمة المنتشرة بين جميع الامم والشعوب أيا كان شكل حكومتها منح الالقاب لزعماء الدولة ، وظالما تزلف بها رجال الحكم لرعاياهم ليصطنعوهم بها ، وقد استكان ذووا الالقاب لاولئك الذين منحوهم بها ما يخول لهم حق الرفعة على من كان عاطلا منها .
وعلى هذا جرت الحكومات الاسلامية في تقدير عظمائها باسداء ألقاب إليهم ، وكان الشريف الرضي ممن يحمل أسمى الالقاب التي يرمز بها إلى مقامه الفخم ، فقد لقبه بهاء الدولة في سنة 388 ( بالشريف الجليل ) في واسط ، وسيره إلى بغداد في موكب ملوكي وفي سنة 498 صدر مرسوم من واسط بتلقيبه ( بذي المنقبتين ) وفيها لقبه بهاء الدولة ( بالرضي ذي الحسبين ) وفي سنة 401 أمر الملك قوام الدين ان تكون المكاتبة مع الشريف بعنوان ( الشريف
____________
1 ـ الغدير 4 | 204 . البداية والنهاية 11 | 335 .
الاجل ) مضافا إلى مخاطبته بالكنية (1) .
علمه
لقد كان الشريف مجيدا في العلم إلى الغاية كاجادته في الشعر غير انه لم يكثر منه كاكثاره في الشعر ، فلذلك لم يشتهر به ، وإن كتابه « حقايق التأويل » اكبر آية على اتقانه للفنون العلمية الدينية ومبادئها ووقوفه على اسرارها ، ولعل السبب الوحيد في قلة تأليف الشريف اشتغاله بشطر كبير من عمره بامارة الحج ، والنظر في المظالم ، ومقتضيات النقابة ، وهذه الاحوال لا تتفق مع التأليف والبحث ، اضف إلى ذلك شغل الوقت بالنظم في الاعياد والمواسم السنوية وما يتفق في العام الواحد من مراث وتهان ومعاتبات .
ومع هذا فانا نعرف من شهادة ابن جني ، والسيرافي ، بأنه متوقد الذكاء جيد الحفظ سريع الانتقال ولما تتم له العشرون سنة حضر عند ابن السيرافي النحوي ، وله دون العشرة فقال له يوما : إذا قلنا رأيت عمر فما علامة النصب في عمر ؟ فقال الشريف على البديهة : علامة النصب بغض علي ، فتعجب ابن السيرافي ومن حضر من سرعة انتقاله وهو بهذا السن (2) .
ومحاوراته مع أخيه المرتضى تشهد بفقاهة الشريف ومعرفته بطرق الاستدلال والاجتهاد ، قال الشهيد الاول (3) في « الذكرى » (4) ، والشهيد الثاني (5) في
____________
1 ـ الغدير 4 | 204 .
2 ـ وفيات الاعيان 1 | 107 ط حجر ايران .
3 ـ شمس الملة والدين الامام الشيخ محمد بن جمال الدين مكي بن محمد بن حامد بن أحمد العاملي النبطي الجزيني المستشهد سنة 786 وهو اول من اشتهر بهذا اللقب . شهداء الفضيلة | 97 ـ 80 .
4 ـ ذكرى الشيعة في احكام الشريعة . في الفقه خرج منه كتاب الطهارة والصلاة بعد مقدمة فيها سبع اشارات في المباحث الاصولية . وللفقهاء عليه حواش وشروح وقد طبع الكتاب في ايران عام 1271 حجر . الذريعة 6 | 86 و 10 | 40
5 ـ الشيخ الامام شرف الاسلام زين الدين بن الامام نور الدين علي بن احمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح الجبعي العاملي المستشهد 965 والمعروف لدى فقهاء الامامية
( روض الجنان ) (1) سأل الرضي ، أخاه المرتضى ، فقال : ان الاجماع واقع على ان من صلى صلاة لا يعلم احكامها فهي غير مجزية فأجاب المرتضى : بجواز تغيير الحكم الشرعي بسبب الجهل .
فهذه المناظرة تدل بأن له قوة في الاستدلال وملكة راسخة في الاستنتاج .
دار العـلم
اتخذ الشريف الرضي لتلامذته مدرسة سماها « دار العلم » وارصد لها مخزنا فيه ما يحتاجه الطلاب ، وذكر شاهدا له ان الوزير المهلبي لما بلغه ولادة ولد للشريف ارسل إليه الف دينار فردها ، فبعث إليه الوزير ان هذا للقابلة فارجعها ثانيا يعلمه : أنا أهل بيت لم تكن قوابلنا غريبة ، وانما هي من عجائزنا ولا يأخذن اجرة ولا يقبلن صلة ، فاعلمه الوزير برغبته في تفريقه على ملازميه من طلاب العلم ، فقال الشريف : لمن رجع المال انهم حضور يسمعون كلامك ، فقام أحدهم وأخذ دينارا وقطع منه قطعة ورد الباقي ، وأخبر الشريف بانه احتاج ليلة إلى دهن السراج ولم يكن الخازن حاضرا وقد اقترض هذا المقدار فأمر السيد أعلى الله مقامه ، أن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد التلاميذ ولا ينتظر الخازن (2) .
وفي هذه الدار كان الشريف يلقي على التلاميذ افاداته ودروسه يوميا متتابعة لا يشغله عن ذلك وظائف الدولة من النقابة وغيرها ، ولم يتعلل بزيارة زائر أو مدح خليفة أو قصيدة في حميم فان هذا كله نقض لهمم الطلاب وفت في عزيمتهم .
____________
=
بالشهيد الثاني . له تصانيف كثيرة وديوان شعر . شهداء الفضيلة | 132 ـ 164 .
1 ـ روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان . . كتاب في الفقه خرج منه موضوع الطهارة والصلاة اوله : الحمد لله المتفضل بشرح معالم شريعته لارشاد الانام المتطول بارسال الرسل . . طبع في ايران سنة 1307 . الذريعة 11 | 275 .
2 ـ روضات الجنات 6 | 194 . عمدة الطالب | 199 .
على ان دار العلم لم تكن مدرسة فقط بل هي مكتبة ايضا فيها من امهات الكتب ما يحتاج إليه القاطن في المدرسة وغيره ، فهي كبيت الحكمة المؤسس للرشيد ، والمكتبة الحديثة التي انشأها وزير شرف الدولة البويهي ابو نصر سابور بن ازدشير سنة 381 وكان أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري خازن ( دار العلم ) ولعبد السلام هذا مجمع علمي خاص ببغداد ينعقد يوم الجمعة من كل اسبوع .
اساتذته
قرأ الشريف على جماعة كثيرة منهم :
1 ـ أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي قرأ عليه « مختصر الطحاوي » في الفقه (1) .
2 ـ أبو الحسن علي بن عيسى الربعي البغدادي النحوي المتوفى 420 قرأ عليه النحو (2) .
3 ـ أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي مات 392 قرأ عليه « مختصر الجرمي » ، وقطعة من « ايضاح » ابي علي الفارسي ، و « العروض » لابي اسحاق الزجاج ، و « القوافي » للاخفش (3) .
4 ـ ابن السيرافي النحوي ابو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى 368 قرأ عليه النحو قبل ان تتم له العشرة (4) .
5 ـ ابن نباتة ابو يحيى عبد الرحيم بن محمد المتوفى 394 صاحب « الخطب » (5) .
____________
1 ـ المجازات النبوية | 92 . فصلنا القول عن شيوخه في كتابنا ( الشريف الرضي ) .
2 ـ المجازات النبوية | 250 .
3 ـ حقائق التأويل | 85 و 86 . الغدير 4 | 184 .
4 ـ الغدير 4 | 183 .
5 ـ المجازات النبوية | 233 .
6 ـ قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الشافعي المعتزلي ، قرأ عليه كتابه « شرح الاصول الخمس » ، وكتابه « العمدة » في اصول الفقه (1) .
7 ـ أبو حفص عمر بن ابراهيم الكناني ، صاحب ابن مجاهد قرأ عليه « القراءات » بروايات كثيرة (2) .
8 ـ أبو إسحاق ابراهيم بن احمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي قرأ عليه « القرآن المجيد » وهو شاب (3) .
9 ـ شيخ الامة وفقيه الطائفة ومتكلمهم الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المتوفى 413 . وكان السبب في ملازمته مع أخيه علم الهدى له ما يحدث عنه المؤرخون وهو :
عن فخار بن معد الموسوي ، قال : رأى الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الفقيه الامامي في منامه كأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين ، وقالت له : علمهما الفقه فانتبه متعجبا من ذلك ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا ، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها ، وبين يديها ابناها محمد الرضي ، وعلي المرتضى صغيرين فقام إليها وسلم عليها ، فقالت : أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما اليك لتعلمهما الفقه ، فبكى أبو عبد الله وقص عليها المنام وتولى تعليمهما ، وأنعم الله عليهما ، وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا ، وهو باق ما بقي الدهر (4) .
ولا غرابة في ذلك بعد ان كانت والدتهما من أشراف النساء ، وسليلة آبائها
____________
1 ـ الغدير 4 | 184 . المجازات النبوية | 233 .
2 ـ المجازات النبوية | 155 . الغدير 4 | 185 .
3 ـ الغدير 4 | 185 . المنتظم 7 | 223 .
4 ـ الدرجات الرفيعة | 466 . شرح ابن ابي الحديد 1 | 13 . الغدير 4 | 184 . دار السلام 1 | 417 .
علماء ادباء وملوك ، ولاجلها صنف الشيخ المفيد رسالة في احكام النساء ، وكان مجيؤها إلى المفيد بولديها أيام اعتقال أبيهما ، وعمهما بالقلعة من فارس ، وهما صغيران حينئذ ، وللرضي ثمان سنين .
10 ـ وكان ممن يروي عنهم أبو محمد هاون بن موسى التلعكبري المتوفى 385 وذكر في ( خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ) عنه حديث امير المؤمنين مع كميل بن زياد وهو طويل (1) .
ولسنا في حاجة إلى تعداد تلاميذه بعد أن عرفنا مدرسته ( دار العلم ) تحتوي على عدد كثير ممن يقطن هذه الدار للافادة منه والاستضاءة بانوار علومه وتحقيقاته .
نعم : هنا شيء لابد من التنبيه عليه ، وهو ان صاحب « روضات الجنات » (2) ذكر رواية الشيخ الطوسي عن الشريف الرضي ، وقد عرفنا الميرزا النوري ان السيد الرضي توفى سنة 406 وقدوم الشيخ الطوسي إلى العراق سنة 408 فيكون ورود الشيخ الطوسي إلى العراق بعد وفاة السيد الرضي بأربع سنين فلم يدركه حتى يروي عنه ، واحتمال مسافرة الشريف إلى طوس واجتماعه بالشيخ الطوسي هنا بعيد ، اذلم يذكره أحد من أرباب التراجم ولا نبه عليه المؤرخون مع ان الشريف في اكثر ايام سنيه كان مشغولا بامر النقابة وولاية المظالم وامارة الحج (3) .
____________
1 ـ وذكر شيخنا الحجة العلامة الاميني كرم الله وجهه شيوخا آخرين للسيد الرضي غير من ذكرناهم وهم : ابو علي الحسن بن احمد الفارسي النحوي المتوفى 377 وله منه اجازة يروي عنه في كتابه المجازات النبوية .
أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني الخراساني المتوفى 384 | 378 .
ابو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجراح . . . شيخه في الحديث كما في المجازات النبوية | 153 . ابو محمد عبد الله بن محمد الاسدي الاكفاني .
2 ـ روضات الجنات 6 | 190 .
3 ـ مستدرك الوسائل 3 | 510 .
آثـاره
للشريف الرضي مؤلفات كثيرة مفعمة بالتحقيق والبحث مع قصر المدة التي تمكن فيها من ذلك الانتاج ، فان عمره كله 47 سنة قضى اكثره في مزاولة وظائف الدولة والقاء دروسه ومحاضراته في مدرسته ( دار العلم ) وقرضه الشعر ، ومحاولاته السياسية ومجاملاته مع الخلفاء والملوك ، فما بقى إلا النزر من ايامه خصوصا بعد اخراج سني الطفولة من تلك القائمة فهاهنا تعرف ان انتاج الشريف لتلك المؤلفات القيمة اعجاز ، وهذا ما وصل الينا من مؤلفاته :
1 ـ « نهج البلاغة » جمع فيه ما اختاره من خطب أمير المؤمنين ( ع ) ، وحكمه ، ورسائله ، وأشار إليه في المجازات النبوية ص 40 طبعة مصر (1) .
2 ـ « تلخيص البيان عن مجاز القرآن » قال ابن خلكان فيه : انه نادر في بابه ، وأشار إليه الشريف في المجازات النبوية ص 20 ط مصر وطبع في بغداد سنة 1328 .
3 ـ « المجازات النبوية » من انفس المؤلفات في هذا الشأن طبع أولا سنة 1428 ببغداد وثانيا سنة 1356 في مصر .
4 ـ « حقائق التأويل في متشابه التنزيل » : وهو تفسيره ذكره في كتابه ـ المجازات النبوية ـ وعبر عنه تارة بحقائق التأويل ، واخرى بالكتاب الكبير في متشابه القرآن . وعبر عنه النجاشي بحقائق التنزيل ، وصاحب عمدة الطالب بكتاب المتشابه في القرآن .
5 ـ « الزيادات في شعر ابي تمام » .
6 ـ « اخبار قضاة بغداد » .
7 ـ « تعليق خلاف الفقهاء » .
8 ـ « تعليق على الايضاح » لابي علي الفارسي .
____________
1 ـ لقد توالت عليه الشروح منذ عهد قريب من عصر المترجم له بما يربو على السبعين شرحا تجده في الغدير 4 | 186 ـ 193 .
9 ـ ما دار بينه وبين الصابي من الرسائل والشعر .
10 ـ « المختار من شعر أبي إسحاق الصابي » .
11 ـ « المختار من شعر ابن الحجاج » سماه : « الحسن من شعر الحسين » .
12 ـ رسائله ثلاث مجلدات ذكر في ( الدرجات الرفيعة ) بعضها ونشرت مجلة العرفان بعضها .
13 ـ « سيرة والده الطاهر أبي احمد » ألفه سنة 379 .
14 ـ « معاني القرآن » . وهو كتابه الثالث في القرآن .
15 ـ « الزيادات » في شعر ابن الحجاج المذكور .
16 ـ « انشراح الصدر » في مختارات من الشعر .
17 ـ « طيف الخيال » .
18 ـ ديوان شعر يقع في مجلدين طبع في مصر ولبنان .
19 ـ « خصائص الائمة » ـ خصائص امير المؤمنين عليه السلام ، وهو الكتاب الذي بين يديك .
وقد ذكرت هذه الكتب في « رجال النجاشي » | 283 و « روضات الجنات » 6 | 194 . و « الغدير » 4 | 198 . و « كشف الظنون » 1 | 523 ومصادر ترجمة الشريف الرضي .
وفاة الشريف
توفي الشريف الرضي بكرة يوم الاحد سادس المحرم سنة 406 ببغداد ، وعمره 47 سنة وولادته كانت سنة 359 ببغداد ، ودفن في دار بالكرخ بخط مسجد الانباريين (1) وحضره الوزير فخر الملك أبو غالب ، وجميع الاشراف والقضاة ، والشهود ، والاعيان ، وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة أمهم أبو عبد الله بن المهلوس العلوي ، ثم دخل الناس أفواجا فصلوا عليه ،
____________
1 ـ ينسب إليهم لكثرة من سكنه منهم .
وركب فخر الملك في آخر النهار فعزى المرتضى والزمه إلى داره ففعل لانه من جزعه عليه لم يستطع النظر إلى تابوته ومضى إلى مشهد موسى بن جعفر عليه السلام (1) .
واستغرب العلامة النوري عدم صلاة الشيخ المفيد عليه ، وهو شيخ الطائفة وعلم الامة ، قال : إلا ان يكون ذاهبا إلى زيارة الحسين ( ع ) لانها أيام عاشوراء ، ثم نقل الشريف إلى كربلاء ودفن عند أبيه الطاهر ابي احمد ، نص عليه السيد الداودي في « عمدة الطالب » ص 200 ، والسيد علي خان في الدرجات الرفيعة بترجمة الرضي ، والشيخ الجليل الشيخ يوسف البحراني في « لؤلؤة البحرين ص 197 ، والسيد بحر العلوم في « رجاله » بترجمة السيد المرتضى قال : الظاهر أن قبر السيد علم الهدى ، وقبر أبيه وأخيه في المحل المعروف بابراهيم المجاب الذي هو جد المرتضى ، وابن الامام موسى بن جعفر عليه السلام ، وذكر العلامة الحجة المتتبع السيد حسن الصدر الكاظمي في رسالته « نزهة أهل الحرمين » حاكيا عن مشجرة النسابة العبيد جمال الدين أحمد بن المهنا ، أن قبر إبراهيم المجاب ، خلف قبر الحسين عليه السلام بستة اذرع .
ويظهر من التاريخ ان قبره كان في القرون الوسطى مشهورا معروفا في الحائر الحسيني المقدس وهذا قريب إلى الاعتبار لان بنى ابراهيم المجاب قطنوا كربلاء وجاوروا الامام السبط عليه السلام فاتخذ بنوه تربته مدفنا لهم وكان من قطن منهم بغداد والبصرة ونقلوا إلى كربلاء بعد موتهم ، وكانت تولية تلك التربة المقدسة بيدهم وما كان يدفن فيها أي أحد إلا باجازة منهم (2)
____________
1 ـ الغدير 4 | 210 . المنتظم 7 | 283 .
2 ـ مصادر ترجمة الشريف الرضي .
أبو الرضا الراوندي
ضياء الدين السيد فضل الله بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن محمد بن الحسن بن جعفر بن ابراهيم بن جعفر بن الحسن المثنى إبن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
كان علامة زمانه ، وعميد أقرانه جمع إلى علو النسب كمال الفضل والحسب ، وكان استاذ أئمة عصره ، ورئيس علماء دهره ، وهو من أساتيذ ابن شهر اشوب ، والشيخ محمد بن الحسن الطوسي والد الخواجه نصير الدين الطوسي ، ومن تلاميذ الشيخ أبي علي ابن شيخ الطائفة الطوسي .
روى عن الشيخ العلامة أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي . وأبي علي الحداد . والشيخ أبي جعفر النيسابوري . وأبي الفتح بن أبي الفضل الاخشيدي ، وخلق آخرين من الشيعة والسنة كما روى عنه أكثر أهل عصره ، وله تصانيف ووشروح في مختلف المواضيع والبحوث .
قال أبو سعيد السمعاني الشافعي في كتابه ( الانساب ) : اني لما وصلت إلى كاشان قصدت زيارة السيد أبي الرضا ضياء الدين فلما انتهيت إلى داره ، وقفت على الباب هنيهة أنتظر خروجه فرأيت مكتوبا على طراز الباب هذه الآية المشعرة بطهارته وتقواه : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فلما إجتمعت به رأيت منه فوق ما كنت أسمعه عنه ، وسمعت
منه جملة من الاحاديث ، وكتبت عنه مقاطيع من شعره ، ومن جملة أشعاره التي كتبها لي بخطه الشريف هذه الابيات :
هل لك يا مغرور من زاجر
أو حاجز عن جهلك الغـامر
امس تقضى وغد لـم يجئ
واليوم يمضي لمحة البـاصر
فذلك العـمر كـذا ينقضي
ما أشبـه المـاضي بالغـابر
ترجم له في :
أعيان الشيعة 42 | 296 . أمل الآمل 2 | 217 . الانساب | ورقة 181 . تنقيح المقال 2 | 13 . الدرجات الرفيعة | 506 . روضات الجنات 5 | 365 . تأسيس الشيعة | 181 . ريحانة الادب 4 | 9 . فوائد الرضوية | 354 . الكنى والالقاب 2 | 435 . مجالس المؤمنين 1 | 526 . مستدرك الوسائل 3 | 493 . منتهى المقال | 242 . هدية الاحباب | 190 . جامع الرواة 2 | 9 . راهنماي دانشوران 1 | 373 هدية العارفين 1 | 821 . الغدير 4 | 186 . الثقات العيون | 217 . الذريعة 9 ق 2 | 352 . رياض العلماء 4 | 364 .
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت ـ حفظ الله عليك دينك ، وقوى في عليي ولاء العترة الطاهرة يقينك ـ سألتني أن أصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الائمة « الاثنى عشر صلوات الله عليهم ، وبركاته ، وحنانه ، وتحياته » على ترتيب ايامهم وتدريج طبقاتهم ، ذاكرا أوقات مواليدهم ، ومدد أعمارهم ، وتواريخ وفاتهم ، ومواضع قبورهم ، وأسامي أمهاتهم ، ومختصرا من فضل زياراتهم ، ثم موردا طرفا من جوابات المسائل التي سئلوا عنها ، واستخرجت أقاويلهم فيها ، ولمعا من أسرار أحاديثهم ، وظواهر وبواطن أعلامهم ، ونبذا من الاحتجاج في النص عليهم ، وحقيقة البرهان في الاشارة إليهم ، موضحا من ذلك ما يزيد به الولي المخلص إخلاصا في موالاتهم ، وصفاء عقد في محبتهم ، ويصدع عن عين عدوهم العمى ، ويكشف عن قلبه الغمى ، حتى يستشف أنوارهم فيسعوا إليها ، ويستوضح أعلامهم فيتتبعها ، ويقتفيها سالكا في جميع ذلك طريق الاختصار ، ومائلا عن جانب الاكثار ، لان مناقب موالينا الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ، لا تحصى بالعدد ، ولا تقف عند حد ، ولا يجري بها إلى أمد ، فإني أعتقد أن جميع أعداد هؤلاء الغرر الذين هم قواعد الاسلام ، ومصابيح الظلام ، والذين خفض الله الخلق عن منازلهم ، وقصر الالسن والايدي عن تناولهم ، وميز بين العالم وبينهم ، وأماط (1) العيب والعار عنهم ، بين مغموس القلب في الجهالة ،
____________
1 ـ أماط : أذهب ، أزال .
ومطروف العين بالضلالة ، لا يفيق من سكرة الهوى ، فيتبين الطريقة المثلى ، وبين عالم بفضلهم ، خابر بطيب فرعهم ، وأصلهم ، يكتم معرفته معاندة ، ويغالط نفسه مكايدة ، ترجيبا (1) لغرس قد غرسه ، وتوطيدا لبناء قد أسسه ، وتنفيقا قد قامت له ، وائتجارا (2) لجماعة قد إلتفت عليه .
وكل ذلك طلبا لحطام هذه الدنيا ، الوبيل مرتعها ، الممر مشربها ، المنغص نعيمها ، وسرورها ، المظلم ضياؤها ونورها ، الصائرة بأهلها إلى أخشن المصارع ، بعد ألين المضاجع ، والناقلة لهم إلى أفزع المنازل ، بعد أمن المعاقل ، على قرب من المعاد ، وعدم من الزاد ، ثم تتقلب بهم إلى حيث « تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً » (3) .
فعاقني عن إجابتك ـ إلى ملتمسك ـ مالا يزال يعوق من نوائب الزمان ، ومعارضات الايام إلى ان أنهضني إلى ذلك اتفا اتفق لي فاستثار حميتي ، وقوى نيتي ، واستخرج نشاطي وقدح زنادي ، وذلك أن بعض الرؤساء ـ ممن غرضه القدح في صفاتي ، والغمز لقناتي ، والتغطية على مناقبي ، والدلالة على مثلبة ـ إن كانت لي ـ لقيني ، وأنا متوجه عشية عرفة من سنة ثلاث وثمانين هجرية ، إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر ، وأبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهما السلام ، للتعريف هناك ، فسألني عن متوجهي فذكرت له إلى أين مقصدي ، فقال لي : متى كان ذلك ؟ يعني ان جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف ، والبرائة ممن قال بالقطع ، وهو عارف بان الامامة مذهبي ، وعليها عقدي ومعتقدي ، وإنما أراد التنكيت لي ، والطعن على ديني ، فأجبته في الحال بما إقتضاه كلامه ، واستدعاه خطابه ، وعدت وقد قوى عزمي ، على عمل هذا الكتاب إعلانا
____________
1 ـ الترجيب : يدل على دعم شيء بشيء وتقويته . المقاييس 2 | 495 .
2 ـ في الاصل : اتجرارا . وفي المطبوعة : استجرارا . والصواب ما اثبتناه .
3 ـ سورة آل عمران | 30 .
لمذهبي ، وكشفا عن مغيبي ، وردا على العدو الذي يتطلب عيبي ، ويروم ذمي وقصبي ، وأنا بعون الله مبتدئ بما ذكرته على الترتيب الذي شرطته ، والله المنقذ من الضلال ، والهادي إلى سبيل الرشاد . وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير .
خصائص مولانا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام
ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب ، بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، وهو اول هاشمي في الاسلام ، ولده هاشمي مرتين ولا نعلم مولود ولد في الكعبة غيره (1) .
وقبض عليه السلام قتيلا بالكوفة ، ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان ، سنة أربعين من الهجرة ، وله يومئذ ثلاث وستون سنة على الرواية الصحيحة ، وكان بقاؤه مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا وثلاثين سنة ، وكونه بعده حجة الله في أرضه ثلاثين سنة ، ونقش خاتمه ـ وهو عقيق أحمر ـ الله الملك وعلي عبده ، ويقال : الملك لله (2) .
واختلف الناس في موضع قبره ، فقال قوم في رحبة القضاء ، وقال قوم : في دار الامارة ، وقال قوم : حمل إلى المدينة ، والصحيح الذي لا شك فيه ، ولا لبس عليه انه عليه السلام بالغري (3) من نجف الكوفة ، ومما يدل على ذلك أن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ، زاره في هذا الموضع لما أشخصه المنصور إليه .
____________
1 ـ الغدير 6 | 22 ـ ولادة علي عليه السلام في الكعبة ـ .
2 ـ مناقب ابن شهر اشوب 3 | 301 .
3 ـ أعلام الورى | 202 . الارشاد | 19 . فرحة الغري في تعيين قبر امير المؤمنين عليه السلام في النجف .
فضل زيارته عليه السلام
روي عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال : من زار عليا بعد وفاته فله الجنة (1) .
وقال الصادق عليه السلام : إن أبواب السماء لتفتح عند دعاء الزائر لامير المؤمنين عليه السلام .
وقال عليه السلام : من ترك زيارة امير المؤمنين عليه السلام لم ينظر الله تعالى إليه ، ألا تزورون من تزوره الملائكة والنبيون عليهم السلام ، إن امير المؤمنين عليه السلام أفضل من كل الائمة ، وله مثل ثواب أعمالهم ، وعلى قدر أعمالهم فضلوا (2) .
____________
1 ـ كامل الزيارات | 38 .
2 ـ المصدر السابق بسنده عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى العطار ، عن حمدان بن سليمان النيشابوري ، عن عبد الله بن محمد اليماني ، عن منيع بن الحجاج ، عن يونس عن أبي وهب البصري عن أبي عبد الله الصادق .
طرف من الاحتجاج للنص عليه ، عليه السلام
مما يدل على ذلك أن الشيعة جماعة كثيرة لا يحصرهم العدد ، ولا يشتمل عليهم بلد ، وقد طبقوا البلدان ، وملؤا الاقطار ، وساروا شرقا وغربا وانتشروا برا وبحرا ، على اختلاف أوطانهم ، وتباعد ديارهم ، وتفاوت هممهم ، وأهوائهم ، وتباين أقاويلهم وآرائهم ، وانتفاء الاسباب الموجبة للشك ، والوقوف في خبرهم ، وفيهم مع ذلك عدد كثير ، وجم غفير ، من أهل بيت النبي عليه السلام ، وذريه وأصحابه ومواليه ، ينقلون نقلا متصلا متواترا ان النبي صلى الله عليه وآله ، قد إستخلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، على امته بعد وفاته ، ونص عليه ، وفرض طاعته في أمر الدين كله ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فعل ذلك ظاهرا مكشوفا ، فوجب قبول هذا الخبر علما ويقينا .
فإن قال قائل : إنهم إنما كثروا الآن ، وان اولهم كان قليلا ، وسلفهم كان يسيرا مغمورا ، قيل له : ما الفضل بينك وبين من احتج عليك بمثله من الملحدين ، وسائر المخالفين ؟ فقال : إن آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا تصح لان عدد المسلمين الناقلين لها كان قليلا في الاول ، وإنما كثر الآن فلا تجد بينهما فصلا .
فصل فيما روي من الاشعار في نص النبي على أمير المؤمنين عليهما السلام
والصلاة في يوم الغدير
فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار أن حسان بن ثابت الانصاري (1) إستأذن النبي عليه السلام ، يوم الغدير بعد فراغه من المقام أن يقول شعرا في ذلك ، فأذن له فأنشأ يقول :
ينـاديهم يوم الغدير نبيهم
بخـم وأسمع بـالرسول مناديا
فقال : فمن مولاكم ووليكم
فقالوا : ولم يبدوا هناك التعاديا
اِلهك مولانـا ، وانت ولينا
ولم تر منـا في المقالة عاصيا
فقال له : قم يا علي فإنني
رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمـن كنت مولاه فهذا وليه
فكونوا له أنصار صدق مواليا
هنـاك دعا اللهم وال وليه
وكن للذي عـادى عليا معاديا
فقال له النبي صلى الله عليه وآله : لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك (2) .
واتفق حملة الاخبار على نقل شعر قيس بن عبادة (3) وهو ينشده بين يدي
____________
1 ـ ابو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر المتوفى 54 | 55 عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الاسلام .
2 ـ الغدير 2 | 39 ـ 34 .
3 ـ سيد الخزرج قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الانصاري مات في آخر خلافة معاوية وقيل سنة 59 | 60 .
أمير المؤمنين عليه السلام ، بعد رجوعه من البصرة في قصيدته التي أولها :
قلت لما بغـى العـدو علينـا
حسبنـا ربنـا ونـعم الوكيـل
حسـبنـا ربنـا الــذي فتح
البصرة بالامس والحديث طويل
إلى أن بلغ فيها إلى قوله :
وعـلي إمـامـا وإمــام
لسوانـا أتى بـه التنزيـل
يوم قال النبي من كنت مولاه
فهـذا مولاه خطب جـليل
إنمـا قاله النبي على الامة
حتـم ما فيه قال وقيل (1)
وهذان الشاعران (2) صحابيان شهدا بالامامة لامير المؤمنين عليه السلام شهادة من حضر هذا المشهد ، وعرف المصدر والمورد .
ثم هذا الكميت بن زيد الاسدي (3) وهو غير مشكوك في فصاحته ، ومعرفته بالعربية يقول :
ويوم الدوح دوح غدير خم
أبـان له الولايـة لو اطيعا
ولكن الرجال تـبايعوهـا
فلم أر مثلها خطرا منيعا (4)
وهذا السيد بن محمد بن الحميري (5) وليس بدون في الفصاحة ، ولا بمتأخر في البلاغة يقول من قصيدة :
قالوا لـه لو شئت أعلمتنا
لى مـن الغايـة والـمفزعُ
فقـام في خم النبي الذي
كان بمـا قيل لـه يصـدع
فقال مـأمورا وفـي كفه
كفـه علـي لهـم تلـمـع
من كنـت مولاه فهذا له
مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا
____________
1 ـ الغدير 2 | 67 .
2 ـ حسان بن ثابت ، وقيس بن سعد بن عبادة .
3 ـ ابو المستهل الكميت بن زيد بن خنيس الاسدي المقتول 126 من كبار شعراء العربية ،
4 ـ ديوان الهاشميات | 18 .
5 ـ ابو هاشم اسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بالسيد والمتوفي 173 .
وعلى ذكر هذه الابيات فإني مورد حديثا طريفا سمعته في معناه وهو متعلق بها . . . حكي أن زيد (1) بن موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام ، رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه جالس مع أمير المؤمنين عليه السلام ، في موضع عال شبيه بالمسناة ، وعليها مراق ، فإذا منشد ينشد قصيدة السيد بن محمد الحميري هذه ، واولها : لام عمرو باللوى مربع * طامسة أعلامه بلقع (2)
____________
1 ـ هذه الحكاية عن زيد غير معروفة بين أهل الاثر ، والمعروف ما ذكره المجلسي في البحار باب مدائح الصادق عليه السلام المجلد 47 | 328 بما لفظه : وجدت في تأليفات بعض أصحابنا أنه روي بإسناده عن سهل بن ذبيان قال : دخلت على الامام علي بن موسى الرضا عليهم السلام في بعض الايام قبل أن يدخل أحد من الناس فقال لي : مرحبا بك يا ابن ذبيان ، الساعة أراد رسولنا أن يأتيك لتحضر عندنا .
فقلت : لماذا يا ابن رسول الله ؟ فقال : لمنام رأيته البارحة وقد أزعجني وأقلقني ، فقلت : خيرا يكون إن شاء الله تعالى ، فقال يا ابن ذبيان : رأيت كأني نصب لي سلم فيه مائة مرقاة ، فصعدت إلى أعلاه : فقلت يا مولاي : اهنيك بطول العمر ، وربما تعيش مائة سنة لكل مرقاة سنة ، فقال عليه السلام : ما شاء الله كان . ثم قال : فلما صعدت رأيت كأني دخلت في قبة خضراء ، يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، ورأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا فيها ، وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان ، يشرق النور من وجههما ، ورأيت إمراة بهية الخلقة ، وبين يديه شخصا بهي الخلقة جالسا عنده ، ورأيت رجلا واقفا وهو يقرأ : لام عمرو باللوى مربع . . فلما رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : مرحبا بك يا ولدي يا علي بن موسى الرضا ، سلم على أبيك وأمك فاطمة ، وعلى أبويك الحسن ، والحسين عليهم السلام ، فسلمت ، قال : وسلم على شاعرنا ومادحنا السيد إسماعيل الحميري ، فسلمت وجلست ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : عد إلى ما كنا فيه ، فلما أنشده لام عمرو . . الخ بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولما قال : ووجهه كالشمس إذ تطلع . . . بكى النبي ومن معه ، ولما بلغ إلى قوله : قالوا له لو شئت أعلمتنا . . قال : وأشار بيده إلى علي وقال : آلهي أنت الشاهد اني قد أعلمتهم أن الغاية والمفزع علي بن أبي طالب .
ولما فرغ من القصيدة إلتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلي ، وقال : يا علي بن موسى إحفظ هذه القصيدة ، ومر شيعتنا بحفظها ، واعلمهم أن من حفظها وأدمن قراءتها ضمنت له على الله الجنة ، قال الرضا عليه السلام : ولم يزل يكررها حتى حفظتها منه ، والقصيدة هذه ثم ذكرها برمتها .
هذا المنام جاء بكامله في كتاب مجالس المؤمنين 2 | 502 . منتهى المقال | 142 . تنقيح المقال 1 | 142 . أعيان الشيعة 13 | 170 . الغدير 2 | 222 . أخبار السيد الحميري | 35 .
2 ـ الغدير 2 | 219 . اخبار السيد الحميري | 31 . الاغاني 7 | 240 . وقد شرح هذه العينية جمع من اعلام الطائفة كما خمسها جمع من العلماء والادباء .
حتى إنتهى إلى قوله :
قالوا له لو شئت أعلمتنا * إلـى من الغـاية والمفزع
قال : فنظر رسول الله إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليهما ، وتبسم ثم قال : أولم أعلمهم ؟ أولم أعلمهم ؟ أولم أعلمهم ؟ ثلاثا ، ثم قال لزيد : إنك تعيش بعدد كل مرقاة رقيتها سنة واحدة ، قال : فعددت المراقي فكانت نيفا وتسعين مرقاة ، فعاش زيد نيفا وتسعين سنة .
وهو الملقب بزيد النار ، وانما سمي بذلك لانه لما غلب على البصرة أحرق نفرا من أهلها ، وأسواقا كثيرة منها (1) .
وما اشد إستحساني لجواب كان بعض المتقدمين من الشيعة يجيب به من سأله عن قعود أمير المؤمنين عليه السلام ، وتركه طلب الامر ، ودعاء الناس إلى نفسه ، وهو أنه كان يقول : أمير المؤمنين عليه السلام كان في هذا الامر فريضة ، من فرائض الله تعالى أداها نبي الله صلى الله عليه وآله إلى قومه ، مثل الصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحج ، وليس على الفرائض أن تدعوهم إلى أنفسها ، وتحثهم على طلبها ، وإنما عليهم أن يجيبوها ، ويسارعوا إليها ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الامر أعذر من هارون لان موسى عليه السلام لما ذهب إلى الميقات ، قال لهارون : « اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين » (2) . (2) . فجعله رقيبا عليهم وزعيما لهم ، وأن نبي الله تعالى صلى الله عليه وآله نصب عليا عليه السلام لهذه الامة علما ، ودعاهم إليه وحضهم عليه ، فعلي عليه السلام في عذر من لزوم بيته ، وإرخاء ستره ، والناس في حرج حتى يخرجوه من مكمنه ، ويستثيروه من مربضه ، ويضعوه في الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله .
____________
1 ـ تنقيح المقال 1 | 471 . مقاتل الطالبيين | 534 . جمهرة انساب العرب | 64 . الاعلام 3 | 102 .
2 ـ سورة الاعراف | 142 .
ومن أعلامه ودلائله عليه السلام
على الاختصار منها ، والاقتصار على بعضها ، فلو أني نشرت ما طويت منها لرماني الناس بيد واحدة عن قوس واحدة ، وكذلك أنا في أخبار سائر الائمة عليهم السلام .
روي إن أمير المؤمنين عليا ـ عليه السلام ـ كان جالسا في المسجد إذ دخل عليه رجلان فاختصما إليه ، وكان أحدهما من الخوارج ، فتوجه الحكم إلى الخارجي فحكم عليه أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له الخارجي : والله ما حكمت بالسوية ولا عدلت في القضية ، وما قضيتك عند الله تعالى بمرضية ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام وأومأ إليه إخسأ عدو الله ، فاستحال كلبا أسود ، فقال من حضره : فوالله لقد رأينا ثيابه تطاير عنه في الهواء ، وجعل يبصبص لامير المؤمنين عليه السلام ، ودمعت عيناه في وجهه ، ورأينا أمير المؤمنين عليه السلام وقد رق فلحظ السماء ، وحرك شفتيه بكلام ، لم نسمعه فوالله لقد رأيناه وقد عاد إلى حال الانسانية ، وتراجعت ثيابه من الهواء ، حتى سقطت على كتفيه ، فرأيناه وقد خرج من المسجد ، وان رجليه لتضطربان .
فبهتنا ننظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال لنا : ما لكم تنظرون وتعجبون ؟ فقلنا يا أمير المؤمنين : كيف لا نتعجب وقد صنعت ما صنعت .
فقال : أما تعلمون أن آصف بن برخيا ، وصي سليمان بن داود عليهما السلام قد صنع ما هو قريب من هذا الامر فقص الله جل أسمه قصته حيث
يقول : ( أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين . قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوى ، أمين . قال الذي عنده علم من الكتاب أنا اتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك . فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) إلى آخر الآية (1) .
* فايما أكرم على الله نبيكم أم سليمان عليهما السلام ؟ فقالوا : بل نبينا عليه السلام أكرم يا أمير المؤمنين قال : فوصي نبيكم أكرم من وصي سليمان وإنما كان عند وصي سليمان عليهما السلام من إسم الله الاعظم حرف واحد ، فسأل الله جل إسمه فخسف له الارض ما بينه وبين سرير بلقيس فتناوله في أقل من طرف العين ، وعندنا من إسم الله الاعظم إثنان وسبعون حرفا ، وحرف عند الله تعالى إستأثر به دون خلقه . فقالوا له يا أمير المؤمنين : فإذا كان هذا عندك فما حاجتك إلى الانصار في قتال معاوية وغيره ، واستنفارك الناس إلى حربه ثانية ؟ فقال : ( بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) (2) إنما أدعو هؤلاء القوم إلى قتاله لثبوت الحجة ، وكمال المحنة ، ولو أذن لي في إهلاكه لما تأخر ، لكن الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء ، قالوا فنهضنا من حوله ونحن نعظم ما أتى به عليه السلام (3) .
الحميري عن أحمد بن محمد ، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله ، عن عبد الله بن ميمون ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام ، قال مر أمير المؤمنين عليه السلام في ناس من أصحابه بكربلاء فلما مر بها إغرورقت عيناه بالبكاء ، ثم قال : هذا مناخ ركابهم ، وهذا ملقى رحالهم ، وهاهنا تهراق دماؤهم ، طوبى لك من تربة عليها تهراق دماء الاحبة (4) .
____________
1 ـ سورة النمل | 39 .
2 ـ سورة الانبياء | 27 .
3 ـ البحار 35 | 429 ـ 436 . باب في أنه عليه السلام عنده علم الكتاب . سفينة البحار 1 | 23 . تفسير الصافي 4 | 67 .
4 ـ وقعة صفين | 142 .
* وباسناد عن الاصبغ بن نباته ، عن عبد الله بن عباس ، قال : كان رجل على عهد عمر بن الخطاب وله فلاء (1) بناحية اذربيجان قد إستصعبت عليه فمنعت جانبها ، فشكى إليه ما قدنا له وانه كان معاشه منها ، فقال له : إذهب فاستغث بالله عزوجل ، فقال الرجل : ما زال أدعوا وأبتهل إليه وكلما قربت منها حملت علي ، قال : فكتب له رقعة فيها من عمر أمير المؤمنين إلى مردة الجن والشياطين أن يذللوا هذه المواشي له ، قال : فأخذ الرجل الرقعة ومضى فاغتممت لذلك غما شديدا ، فلقيت أمير المؤمنين عليا عليه السلام فأخبرته بما كان ، فقال : والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ليعودن بالخيبة ، فهدأ ما بي ، وطالت علي سنتي ، وجعلت أرقب كل من جاء من أهل الجبال ، فإذا أنا بالرجل قد وافي وفي جبهته شجة (2) تكاد اليد تدخل فيها ، فلما رأيته بادرت إليه فقلت له : ما وراءك ؟ فقال : اني صرت إلى الموضع ورميت بالرقعة فحمل علي عداد منها فهالني أمرها فلم تكن لي قوة بها ، فجلست فرمحتني احدها في وجهي فقلت : أللهم إكفنيها . . فكلها يشتد علي ، ويريد قتلي ، فانصرفت عني ، فسقطت فجاء أخ لي فحملني ، ولست أعقل ، فلم أزل أتعالج حتى صلحت ، وهذا الاثر في وجهي فجئت لاعلمه يعني عمر .
فقلت له : صر إليه فاعلمه فلما صار إليه وعنده نفر فأخبره بما كان فزبره ، وقال له : كذبت لم تذهب بكتابي ، قال : فحلف الرجل بالله الذي لا إله الا هو ، وحق صاحب هذا القبر لقد فعل ما أمره به من حمل الكتاب . وأعلمه أنه قد ناله منها ما يرى ، قال : فزبره وأخرجه عنه . فمضيت معه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فتبسم ثم قال : ألم أقل لك ؟ ثم أقبل على الرجل فقال له : إذا انصرفت فصر إلى الموضع الذي هي فيه وقل : اللهم أني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة ، وأهل بيته الذين إخترتهم على علم على العالمين ، أللهم فذلل لي
____________
1 ـ الفلا : المهر ، والفرس ـ وفي بعض الروايات : وله مواش .
2 ـ الشجة : وهي الكسر في الرأس خاصة .
صعوبتها ، وحزانتها ، واكفني شرها ، فانك الكافي ، المعافي ، والغالب القاهر .
فانصرف الرجل راجعا ، فلما كان من قابل قدم الرجل ومعه جملة قد حملها من أثمانها إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فصار إليه وأنا معه ، فقال : تخبرني أو أخبرك ؟ فقال الرجل بل : تخبرني يا أمير المؤمنين ، قال : كأنك صرت إليها ، فجاءتك ، ولاذت بك خاضعة ذليلة ، فأخذت بنواصيها واحدا بعد آخر فقال الرجل : صدقت يا أمير المؤمنين ، كأنك كنت معي ، فهذا كان ، فتفضل بقبول ما جئتك به .
فقال : امض راشدا بارك الله لك فيه . وبلغ الخبر عمر فغمه ذلك حتى تبين الغم في وجهه ، وانصرف الرجل وكان يحج كل سنة وقد أنمى الله ماله .
* قال ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام : كل من إستصعب عليه شيء من ماله أو أهله أو ولد أو أمر فرعون من الفراعنة ، فليبتهل بهذا الدعاء فإنه يكفى مما يخاف إن شاء الله تعالى ، وبه القوة (1) .
وروي بإسناد أن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسا في مجلسه والناس مجتمعون عليه بالمدينة ، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، حتى وافى رجل من العرب فسلم عليه ، وقال : أنا رجل لي على رسول الله صلى الله عليه وآله وعد ، وقد سألت عن قاضي دينه ، ومنجز وعده ، بعد وفاته فأرشدت إليك . فهل الامر كما قيل لي ؟ فقال أمير المؤمنين : نعم أنا منجز وعده ، وقاضي دينه من بعده ، فما الذي وعدك به ؟ قال : مائة ناقة حمراء ، وقال لي : إذا أنا قبضت فأت قاضي ديني ، وخليفتي من بعدي ، فانه يدفعها إليك وما كذب صلى الله عليه وآله . فإن يكن ما ادعيته حقا فعجل علي بها ـ ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله خلفها ولا بعضها ـ فأطرق أمير المؤمنين عليه السلام مليا ، ثم قال يا حسن : قم فنهض إليه فقال له : إذهب فخذ قضيب رسول الله صلى الله عليه وآله الفلاني ، وصر إلى البقيع فأقرع به الصخرة الفلانية ثلاث قرعات ، وانظر ما يخرج منها
____________
1 ـ مهج الدعوات | 104 .
فادفعه إلى هذا الرجل ، وقل له يكتم ما رأى .
فصار الحسن ـ عليه السلام ـ إلى الموضع ، والقضيب معه ، ففعل ما أمره ، فطلع من الصخرة رأس ناقة بزمامها ، فجذبه الحسن ـ عليه السلام ـ فظهرت الناقة ، ثم ما زال يتبعها ناقة ثم ناقة حتى إنقطع القطار على مائة ، ثم إنضمت الصخرة فدفع النوق إلى الرجل ، وأمره بالكتمان لما رأى . فقال الاعرابي : صدق رسول الله صلى الله عليه وآله ، وصدق أبوك عليه السلام ، هو قاضي دينه ، ومنجز وعده ، والامام من بعده ، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (1) .
وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام لما أقبل من صفين ، مر في زهاء سبعين رجلا بأرض ليس فيها ماء ، فقالوا له : يا أمير المؤمنين ليس هاهنا ماء ، ونحن نخاف العطش ، قالوا : فمررنا براهب في ذلك الموضع فسألناه هل بقربك ماء فقال : ما من ماء دون الفرات ، فقلنا يا أمير المؤمنين العطش وليس قربنا ماء ، فقال : إن الله تعالى سيسقيكم ، فقام يمشي حتى وقف في مكان ودعا بمساح ، وأمر بذلك المكان ، فكنس ، فأجلى عن صخرة ، فلما انجلى عنها ، قال : إقلبوها مرمناها بكل مرام فلم نستطعها فلما أعيتنا دنا منها فأخذ بجانبها فدحا (2) بها فكأنها كرة ، فرمى بها ، فانجلت عن ماء لم ير أشد بياضا ، ولا أصفى ، ولا أعذب منه ، فتنادى الناس الماء ، فاغترفوا ، وسقوا ، وشربوا ، وجملوا ، ثم أخذ عليه السلام الصخرة فردها مكانها ، ثم تحمل الناس فسار غير بعيد ، فقال : أيكم يعرف مكان هذه العين ؟ فقالوا : كلنا يعرف مكانها ، قال : فانطلقوا حتى تنظروا .
فانطلق من شاء الله منا فدرنا حتى أعيينا فلم نقدر على شئ فأتينا الراهب
____________
1 ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لامير المؤمنين عليه السلام : أنت قاضي ديني ، ومنجز عدتي . مما أجمعت الائمة على صحته وتوثيقه وقد جاءت بأسانيد شتى صحيحة ، مسند أحمد بن حنبل 1 | 111 ، بسنده عن علي عليه السلام . الرياض النضرة 2 | 168 . حلية الاولياء 10 | 211 . كنز العمال 6 | 403 . مجمع الزوائد 9 | 113 ، عن جابر بن عبد الله . فضائل الخمسة 3 | 57 .
2 ـ دحا : دفع . رمى .
فقلنا له ويحك ألست زعمت أنه ليس قبلك ماء ، ولقد إستثرنا هاهنا ماء ، فشربنا واحتملنا ، قال : فوالله ما استثارها إلا نبي أو وصي نبي ، قلنا : فإن فينا وصي نبينا عليه السلام ، قال : فانطلقوا إليه فقولوا له : ماذا قال له النبي حين حضره الموت ؟ قال : فأتيناه فقلنا له إن هذا الراهب قال : كذا ، وكذا ، قال : فقولوا له إن خبرناك لتنزلن ولتسلمن ، فقلنا له فقال : نعم فأتينا أمير المؤمنين فقلنا قد حلف ليسلمن ، قال : فانطلقوا فاخبروه أن آخر ما قال النبي ، الصلاة ، الصلاة ، إن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ كان واضعا رأسه في حجري فلم يزل يقول : الصلاة ، الصلاة ، حتى قبض .
قال فقلنا له ذلك فأسلم (1) . وفي ذلك يقول السيد بن محمد الحميري من قصيدته البائية المعروفة بالمذهبة :
ولقد سـرى فيمـا يسيـر بليـلة
بعد العشاء مغامرا (2) فـي موكب
في موكب حتى أتى متبتلا في قائم
ألـقى قواعـده بـقاع مجـدب (3)
فـدنا فصـاح به فـأشرف ماثلا
كـالنسر فوق شظية من مرقب (4)
هل قرب قائمك الذي بـوأته (5)
ماء يصاب فقال : مـا من مشرب
إلا بغـاية فرسـخين ومـن لنـا
بالـماء بين نقـاوقي سبـسب (6)
فثنى الاعنة نحو وعث (7) فاجتلى
بيضاء تبـرق كالـلجين المـذهب
قال : إقلبوهـا إنـكم إن تفعـلوا
تـرووا ولا تـروون إن لـم تقلب
___________
1 ـ مجمع الزوائد 9 | 293 عن أبي رافع . الارشاد | 176 . أعلام الورى | 176 .
2 ـ في اكثر الروايات هكذا : ( بعد العشاء بكربلا في موكب ) .
3 ـ المتبتل : الراهب . القائم : الصومعة . القاعدة : الاساس . الجدار . الجدب : ضد الخصب .
4 ـ الماثل : المنتصب ، وشبه الراهب بالنسر لطول عمره . والشظية : قطعة من الجبل . المرقب : المكان العالي .
5 ـ بوأ : أقام ، حل .
6 ـ النقى : قطعة من الرمل ، تنقاد محدوبة . والقى : الصحراء الواسعة . والسبسب القفرة .
7 ـ الوعث : الرمل الذي لا يسلك فيه .
فاعصو صبوا في قلعها فتمنعت
منهم تمنع صعبة لم تركب (1)
حتـى إذا أعيتهـم أهـوى لها
كفـو متى ترد المغـالب تغلب
فكأنها كرة بـكف حـزور (2)
عبل الذراع دحـابها في ملعب
فسقـاهم من تحتهـا متسلسـلا
عذبا يـزيد على الالذ الاعذب
حتى إذا شربـوا جميعـا ردها
ومضى فخلت مكانها لم يقر
ذاك ابن فاطمة الوصي ومن يقل
في فضله وفعـاله لا يكـذب
* يعني فاطمة بنت أسد امه رضي الله عنها . وفي هذه القصيدة يذكر رد الشمس على أمير المؤمنين عليه السلام ، وسيرد ذكره فيما بعد بمشية الله ، وذلك قوله :
ردت عليه الشمس لما فاته
وقت الصلاة وقد دنت للمغرب
حتى تبلج نورها في وقتها
للعصر ثم هوت هوي الكوكب
وعليه قد حبست ببابل مرة
اخرى وما حبست لخلق معرب
إلا لاحمـد أولـه ولحبسها
ولردها تأويل أمر معجب (3)
وحدث أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا محمد بن سليمان الاصبهاني ، قال : حدثني يونس ، عن أم حكيم بنت عمرو (4) قالت : خرجت ، وأنا أشتهي أن أسمع كلام علي بن أبي طالب عليه السلام ، فدنوت منه وفي الناس رقة ، وهو يخطب على المنبر ، حتى سمعت كلامه ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين إستغفر لخالد بن عرفطة ، فإنه قد مات بأرض تيماء (5) فلم يرد عليه ، فقال : الثانية
____________
1 ـ إعصوصب إجتمع ، وتعاضد .
2 ـ الحزور : الغلام المترعرع .
3 ـ أعلام الورى | 177 . والقصيدة 112 بيتا شرحها السيد المرتضى علم الهدى وطبع بمصر عام 1313 وأول القصيدة قوله :
هلا وقفت على المكان المعشب * بين الطويـلع فاللوى من كبكب
4 ـ ام حكيم بنت عمرو بن سفيان الخولية . . . كانت من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام . جامع الرواة 2 | 455 . تنقيح المقال 3 | 70 . رجال الطوسي | 66 .
5 ـ تيماء : بليد في أطراف الشام ، بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق .
فلم يرد عليه ، ثم قال : الثالثة ، فالتفت إليه فقال : أيها الناعي خالد بن عرفطة كذبت ، والله ما مات ، ولا يموت حتى يدخل من هذا الباب ، يحمل راية ضلالة ، قالت : فرأيت خالد بن عرفطة (1) يحمل راية معاوية حتى نزل نخيلة وأدخلها من باب الفيل (2) .
* وبإسناد عن الاصبغ بن نباتة ، قال : كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام بصفين فبايعه تسعة وتسعون رجلا ثم قال : أين تمام المائة ؟ فقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله إنه يبايعني في هذا اليوم مائة رجل ، فقال فجاء رجل عليه قباء صوف متقلد سيفين ، فقال : هلم يدك ابايعك فقال : على ما تبايعني ؟ قال : على بذل مهجة نفسي دونك ، قال : ومن أنت ؟ قال : اويس القرني فبايعه ، فلم يزل يقاتل بين يديه حتى قتل فوجد في الرجالة مقتولا (3) .
____________
1 ـ خالد بن عرفطة بن أبرهة بن سنان الليثي توفي بالكوفة سنة 60 | 61 إستخلفه سعد بن أبي وقاص على الكوفة من قبل معاوية . أسد الغابة 2 | 87 . الاصابة 1 | 409 . الاستيعاب 1 | 413 .
2 ـ أعلام الورى | 175 وفيه : وهذا الخبر مستفيض في أهل العلم بالآثار من أهل الكوفة .
3 ـ سفينة البحار 1 | 53 . رجال الطوسي | 35 . اعلام الورى | 170 . تأسيس الشيعة | 357 . جامع الرواة 1 | 110 .
خبر ميثم التمار رضي الله عنه
وبإسناد مرفوع إلى إبن ميثم التمار ، قال : سمعت أبي يقول : دعاني أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يوما فقال لي يا ميثم كيف أنت إذا دعاك دعي بني امية عبيد الله بن زياد إلى البرائة مني ؟ قلت : إذا والله أصبر ، وذاك في الله قليل ، قال : يا ميثم إذا تكون معي في درجتي .
وكان ميثم يمر بعريف (1) قومه فيقول : يا فلان كأني بك قد دعاك دعي بني امية وابن دعيها فيطلبني منك ، فتقول هو بمكة ، فيقول : لا أدري ما تقول ، ولا بدلك أن تأتي به . فتخرج إلى القادسية فتقيم بها أياما ، فإذا قدمت عليك ذهبت بي إليه حتى يقتلني على باب دار عمرو بن حريث (2) ، فإذا كان اليوم الثالث إبتدر من منخري دم عبيط .
قال : وكان ميثم يمر في السبخة بنخلة فيضرب بيده عليها ، ويقول : يا نخلة ما غذيت إلا لي ، وكان يقول لعمرو بن حريث : إذا جاورتك فأحسن جواري ، فكان عمرو يرى أنه يشتري عنده دارا أو ضيعة له بجنب ضيعته فكان عمرو يقول : سأفعل ، فأرسل الطاغية عبيد الله بن زياد إلى غريف ميثم يطلبه منه فأخبره أنه بمكة فقال له : إن لم تأتني به لاقتلنك فأجله أجلا وخرج العريف إلى القادسية
____________
1 ـ العريف : العالم بالشّئ . من يعرف أصحابه . القيم بأمر القوم .
2 ـ أبو سعيد عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشي مات بالكوفة سنة 85 . ولي إمرة الكوفة لزياد ثم لابنه عبيد الله . الاصابة ت 5810 . اسد الغابة 4 | 97 . الكامل في التاريخ 2 | 249 .
ينتظر ميثما ، فلما قدم ميثم أخذ بيده فأتى به عبيد الله بن زياد ، فلما أدخله عليه ، قال له : ميثم ، قال : نعم ، قال : إبرأ من أبي تراب . قال : لا أعرف أبا تراب قال : إبرأ من علي بن أبي طالب قال : فان لم أفعل ؟ قال : إذا والله أقتلك . قال : أما انه قد كان يقال لي إنك ستقتلني ، وتصلبني على باب عمرو بن حريث ، فإذا كان اليوم الثالث إبتدر من منخري دم عبيط .
قال : فأمر بصلبه على باب عمرو بن حريث ، فقال للناس : سلوني ، سلوني ـ وهو مصلوب ـ قبل أن أموت ، فوالله لاحدثنكم ببعض ما يكون من الفتنء فلما سأله الناس وحدثهم أتاه رسول من إبن زياد ـ لعنه الله ـ فألجمه بلجام من شريط ، فهو أول من ألجم بلجام وهو مصلوب ، ثم أنفذ إليه من وجأ جوفه حتى مات فكانت هذه من دلائل أمير المؤمنين عليه السلام (1) .
* وبإسناد عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال يا علي : إذا أنا مت فاغسلني من بئري مرتين بسبع قرب فإذا فرغت من مهادي فضع سمعك على فمي ، ثم اعقل ما أقول لك ، قال : ففعلت ما أمرني به صلى الله عليه وآله فحدثني بما هو كائن إلى يوم القيامة (2) .
وبإسناد أن أمير المؤمنين عليه السلام ، كان يقول : ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلا وقد نزلت فيه آية أو إثنتان تقوده إلى الجنة ، أو تسوقه إلى نار ، وما من آية نزلت في بر أو بحر أو في سهل أو جبل إلا وقد عرفت حين نزلت ، فيم انزلت ، ولو ثنيت لي وسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم ، وبين أهل القرآن بقرآنهم (3) .
____________
1 ـ الارشاد | 171 . أعلام الورى | 172 . سفينة البحار 2 | 523 . غزوات أمير المؤمنين ( ع ) | 46 .
2 ـ البحار 22 | 514 . بصائر الدرجات | 81 . رسالة في تغسيل النبي صلى الله عليه وآله بسبع قرب للشيخ عبد الله بن الحاج صالح بن جمعة اسماهيجي المتوفى 1135 هـ .
3 ـ من الاحاديث الثابتة أن أمير المؤمنين عليه السلام أعلم الصحابة على الاطلاق . كنز العمال 1 | 228 . طبقات ابن سعد 2 ق 2 | 101 . تهذيب التهذيب 7 | 337 . الغدير 3 | 95 . كفاية الطالب | 207 حلية الاولياء 1 | 67 . الاستيعاب 2 | 463 .
خبر رد الشمس وإن كان من الاخبار المشهورة
روى محمد بن الحسين بن سعيد ، عن أحمد بن عبد الله ، عن الحسين ابن المختار ، عن أبي بصير عن عبد الواحد ابن المختار الانصاري ، عن أبي المقدام الثقفي ، قال لي جويرية بن مسهر (1) : قطعنا مع أمير المؤمنين عليه السلام جسر الصراة (2) ، في وقت العصر ، فقال : إن هذه أرض معذبة لا ينبغي لنبي ولا وصي أن يصلي فيها ، فمن أراد منكم أن يصلي فليصل ، قال : فتفرق الناس يصلون يمنة ويسرة ، وقلت أنا لاقلدن هذا الرجل ديني ، ولا اصلي حتى يصلي .
قال : فسرنا وجعلت الشمس تستقل ، قال : وجعل يدخلني من ذلك أمر عظيم ، حتى وجبت الشمس وقطعت الارض . قال ، فقال يا جويرية : أذن فقلت تقول لي أذن وقد غابت الشمس ؟ قال : فأذنت ، ثم قال لي : أقم فأقمت ، فلما قلت : قد قامت الصلاة ، رأيت شفتيه تتحركان ، وسمعت كلاما كأنه كلام العبرانية ، قال : فرجعت الشمس حتى صارت في مثل وقتها في العصر ، فصلى فلما انصرف هوت إلى مكانها واشتبكت النجوم (3) .
____________
1 ـ جويرية بن مسهر العبدي الكوفي . . . من أصحاب علي عليه السلام ، وكان الامام يحبه حبا شديدا قال له يوما : يا جويرية ليقتلنك العتل الزنيم ، وليقطعن يدك ورجلك ثم إنه ليصلبنك ، ثم مضى دهر حتى ولي زياد بن أبيه في أيام معاوية فقطع يده ورجله ثم صلبه .
تنقيح المقال 1 | 238 . رجال الطوسي | 37 . رجال إبن داود | 67 . أعيان الشيعة 17 | 195 .
2 ـ معجم البلدان 3 | 399 .
3 ـ تنقيح المقال 1 | 239 .
وفي حديث آخر :
عن جويرية بن مسهرا أنه قال : فلما إنقضت صلاتنا سمعت الشمس وهي تنحط ولها صرير كصرير رحى البزر ، حتى غابت وأنارت النجوم ، قال : فقلت : أنا أشهد أنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال يا جويرية : أما سمعت الله يقول : ( فسبح باسم ربك العظيم ) ؟ فقلت بلى ، فقال : اني سألت ربي باسمه العظيم ، فردها علي (1) .
حدثني أبو محمد ، هارون بن موسى بن أحمد المعروف بالتلعكبري ، قال : حدثنا أبو الحسن ، محمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن عيسى بن المنصور ، قال : حدثنا أبو موسى ، عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور ، قال : حدثني أبو محمد ، الحسن بن علي ، عن أبيه علي بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن موسى ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن إبيه الحسين بن علي ، عليهم السلام والصلاة ، قال : حدثني قنبر مولى علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام على شاطئ الفرات ، فنزع قميصه ، ونزل إلى الماء فجاءت موجة ، فأخذت القميص . فخرج أمير المؤمنين عليه السلام فلم يجد القميص فاغتم لذلك ، فإذا بهاتف يهتف ، يا أبا الحسن انظر عن يمينك وخذ ما ترى ، فإذا منديل عن يمينه ، وفيه قميص مطوي ، فأخذه ولبسه فسقط من جيبه رقعة فيها مكتوب :
* بسم الله الرحمن الرحيم ، هدية من الله العزيز الحكيم إلى علي بن أبي طالب ، هذا قميص هارون بن عمران ، كذلك وأورثناها قوما آخرين (2) .
____________
1 ـ جامع الرواة 1 | 169 . سفينة البحار 1 | 57 .
وحديث رد الشمس لامير المؤمنين عليه السلام من القضايا الثابتة أخرجه جمع من الحفاظ الاثبات بأسانيد جمة صحح جمع من مهرة الفن بعضها ، وحكم آخرون بحسن آخر ، وشدد جمع منهم النكير على من غمز فيه وضعفه ، وأفردها بالتأليف وجمعوا فيه طرقها وأسانيدها . الغدير 3 | 141 ـ 126 .
2 ـ البحار 42 | 122 الطبعة الجديدة . تنقيح المقال 2 | 29 ـ باب القاف . جامع الرواة 2 | 24 .
وبإسناد مرفوع إلى عمرو بن المنهال ، قال : بينا نحن ذات يوم جلوسا مع أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في رحبة القصر ، إذ زلزلت الارض فضربها أمير المؤمنين بيده وقال لها : ما لك فوالله لو كنت هي لانبأتني أخبارك ، وإني الذى تحدثه الارض بأخبارها أو رجل مني (1) .
* وبإسناد مرفوع إلى الاصبغ بن نباتة ، قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال يا أمير المؤمنين قد زاد الفرات ، والساعة نغرق ، قال : لن تغرقوا ، ثم جاءه آخر فقال يا أمير المؤمنين : قد فاض الفرات والساعة نغرق ، فقال : لن تغرقوا ، ثم دعا ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فركبها وأخذ بيده قضيبا ثم سار حتى إنتهى إلى شاطي الفرات ، فنزل فضرب الفرات ضربة فنقص خمسة اذرع ، وقال . بعضهم : عشرة أشبار (2) .
فقال الاصبغ سمعت عليا عليه السلام يومئذ يقول : لو ضربت الفرات ضربة ومشيت ما بقي فيه قطرة .
* وبإسناد مرفوع قال ، قال إبن الكواء لامير المؤمنين : أين كنت حيث ذكر الله تعالى نبيه وأبا بكر فقال : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) (3) ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك يا ابن الكواء كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد طرح علي ريطته (4) فأقبلت قريش مع كل رجل منهم هراوة فيها شوكها ، فلم يبصروا رسول الله حيث خرج ، فأقبلوا علي يضربونني بما في أيديهم حتى تنفط (5) جسدي وصار مثل البيض ، ثم انطلقوا بي يريدون قتلي ، فقال بعضهم : لا تقتلوه الليلة ولكن أخروه واطلبوا
____________
1 ـ سفينة البحار 1 | 555 وفيه : أنها كانت على عهد أبي بكر .
2 ـ الارشاد 1 | 348 ألباب الثالث فصل 77 وفيه : رواه نقلة الآثار واشتهر في أهل الكوفة لاستفاضته بينهم .
3 ـ سورة التوبة | 40 .
4 ـ الريطة : كل ثوب يشبه الملحفة .
5 ـ تنفط الجسم . قرح أو تجمع فيه بين الجلد واللحم ماء بسبب العمل .
محمدا ، قال : فأوثقوني بالحديد وجعلوني في بيت واستوثقوا مني ، ومن الباب بقفل فبينا أنا كذلك إذ سمعت صوتا من جانب البيت يقول : يا علي فسكن الوجع الذي كنت أجده ، وذهب الورم الذي كان في جسدي ، ثم سمعت صوتا آخر يقول : يا علي فإذا الحديد الذي في رجلي قد تقطع ، ثم سمعت صوتا آخر يقول : يا علي ، فإذا الباب قد تساقط ما عليه ، وفتح فقمت وخرجت ، وقد كانوا جاؤا بعجوز كمهاء (1) لا تبصر ولا تنام تحرس الباب فخرجت عليها فإذا هي لا تعقل من النوم (2) .
وبإسناد عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد الله ، جعفر بن محمد عليه السلام ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خاصم أمير المؤمنين عليه السلام بعض الصحابة في حق له ذهب به ، وجرى بينهما فيه كلام فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : بمن ترضى ليكون بيني وبينك حكما ؟ قال : إختر . قال : أترضى برسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينك ؟ قال : وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد دفناه ؟ قال : ألست تعرفه إن رأيته ؟ قال : نعم . فانطلق به إلى مسجد قباء فإذا هما برسول الله صلى الله عليه وآله ، فاختصما إليه فقضى لامير المؤمنين عليه السلام ، فرجع الرجل مصفرا لونه ، فلقى بعض أصحابه وقال : مالك ؟ فأخبره الخبر ، فقال : أما عرفت سحر بني هاشم (3) .
____________
1 ـ كمه : عمى أو صار أعشى ، وبصره إعترته ظلمة .
2 ـ البحار 36 | 43 . الارشاد ومبيت علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، من القضايا الثابتة المتسالم عليها لدى الفريقين . اسد الغابة 4 | 25 . نور الابصار | 77 . كنوز الحقائق | 31 . مستدرك الصحيحين 3 | 4 . مسند أحمد 1 | 348 . مجمع الزوائد 9 | 119 . فضائل الخمسة 2 | 345 .
3 ـ سفينة البحار 1 | 605 .
ومن أعلامه عليه السلام عند قتال الخوارج بالنهروان
وبإسناد مرفوع إلى جندب بن عبد الله البجلي ، قال : دخلني يوم النهروان شك ، فاعتزلت ، وذلك أني رأيت القوم أصحاب البرانس ، وراياتهم المصاحف حتى هممت أن أتحول إليهم فبينا أنا مقيم متحير إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ، حتى جلس إلي ، فبينا نحن كذلك إذ جاء فارس يركض فقال يا أمير المؤمنين : ما يقعدك وقد عبر القوم ؟ قال : أنت رأيتهم ؟ قال : نعم . قال : والله ما عبروا ولا يعبرون أبدا فقلت في نفسي : ألله أكبر كفى بالمرء شاهدا على نفسه ، والله لئن كانوا عبروا لاقاتلنه قتالا لا ألوى فيه جهدا ، ولئن لم يعبروا لاقاتلن أهل النهروان قتالا يعلم الله به أني غضبت له . ثم لم ألبث أن جاء فارس آخر يركض ويلمع بسوطه ، فلما إنتهى إليه قال : يا أمير المؤمنين ، ما جئت حتى عبروا كلهم ، وهذه نواصي خيلهم قد أقبلت . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : صدق الله ورسوله ، وكذبت ما عبروا ولن يعبروا ، ثم نادى في الخيل فركبوا وركب أصحابه وسار نحوهم . وسرت ويدي على قائم سيفي ، وأنا أقول : أول ما أرى فارسا قد طلع منهم أعلو عليا بالسيف للذي دخلني من الغيظ عليه .
فلما انتهى إلى النهر إذا القوم كلهم وراء النهر لم يعبر منهم أحد ، فالتفت إلي ثم وضع يده على صدري ، ثم قال : يا جندب أشككت ؟ كيف رأيت ؟ قلت يا أمير المؤمنين : أعوذ بالله من الشك ، وأعوذ بالله من سخط الله ، وسخط رسوله ، و سخط أمير المؤمنين ، قال : يا جندب ما أعمل إلا بعلم الله وعلم رسوله ، فأصابت
جندبا يومئذ إثنتا عشرة ضربة مما ضربه الخوارج (1) .
وفي حديث آخر قال :
* لما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أهل النهروان قال لاصحابه : اطلبوا إلي رجلا مخدج اليد ، وعلى جانب يده الصحيحة ثدي كثدي المرأة إذا مد إمتد ، وإذا ترك تقلص ، عليه شعرات صهب ، وهو صاحب رايتهم يوم القيامة ، يوردهم النار و بئس الورد المورود ، فطلبوه فلم يجدوه فقالوا : لم نجده . فقال : والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، ونصب الكعبة ، ما كذبت ولا كذبت ، وأني لعلى بينة من ربي ، قال : فلما لم يجدوه . قام والعرق ينحدر عن جبهته ، حتى أتى وهدة من الارض فيها نحو من ثلاثين قتيلا ، فقال : ارفعوا إلي هؤلاء فجعلنا نرفعهم حتى رأينا الرجل الذي هذه صفته تحتهم ، فاستخرجناه ، فوضع أمير المؤمنين رجله على ثديه الذي هو كثدي المرأة ثم عركه بالارض ثم أخذه بيده وأخذ بيده الاخرى يد الرجل الصحيحة ، ومدها حتى استويا ، ثم التفت إلى رجل جاء إليه وهو شاك فقال : وهذه لك آية . ثم قال : إن الجانب الآخر الذي ليس فيه يد ليس فيه ثدي فشقوا عنه جانب قميصه ، فإذا له مكان اليد شئ مثل غلظ الابهام وإذا ليس في ذلك الجانب ثدي ، فقال للرجل الشاك : وهذه لك آية اخرى (2) .
* وبإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام ، قال : لما قدم عبد الله بن عامر بن كريز (3) المدينة لقى طلحة والزبير ، فقال لهما بايعتما علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال : أما والله لا يزال ينتظر بها الحبالى من بني هاشم ، ومتى تصير اليكما ، أما والله على ذلك ما جئت حتى ضربت على
____________
1 ـ الارشاد | 318 ، بصورة مفصلة . سفينة البحار 1 | 182 . مجمع الزوائد 6 | 241 بسنده عن جندب وقال : رواه الطبراني .
2 ـ أعلام الورى | 171 . كفاية الطالب | 177 . خصائص النسائي | 138 . تاريخ بغداد 1 | 159 . مجمع الزوائد 6 | 234 .
3 ـ عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف . . أسلم يوم الفتح وكان من الموالين إلى بني أمية وبقى إلى خلافة عثمان .
أيدي أربعة آلاف من أهل البصرة كلهم يطلبون بدم عثمان فدونكما فاستقيلا أمركما .
* فأتيا عليا عليه السلام فقالا له إئذن لنا في العمرة ، فقال : والله إنكما تريدان العمرة وما تريدان نكثا ولا فراقا لامتكما وعليكما بذلك أشد ما أخذ الله على النبيين من ميثاق ؟ قالا : نعم . قال : انطلقا فقد أذنت لكما ، قال : فمشيا ساعة ، ثم قال : ردوهما فأخذ عليهما مثل ذلك ، ثم قال : إنطلقا فاني قد أذنت لكما ، فانطلقا حتى أتيا الباب ، فقال : ردوهما الثالثة ، ثم قال : والله إنكما تريدان العمرة وما تريدان نكث بيعتكما ، ولا فراق امتكما ، وعليكما بذلك أشد ما أخذ الله على النبيين من ميثاق ، والله عليكما لذلك راع كفيل ، قالا : اللهم نعم قال : أللهم اشهد ، اذهبا وانطلقا ، والله لا أراكما إلا في فئة تقاتلني (1) .
* وعنه عليه السلام ، قال خطب أمير المومنين عليه السلام : فقال : سلوني قبل أن تفقدوني فو الله لا تسألونني عن فتنة يضل فيها مائة ويهتدي فيها مائة إلا أخبرتكم بسائقها وناعقها إلى يوم القيامة حتى فرغ من خطبته (2) .
قال : فوثب إليه بعض الحاضرين فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني كم شعرة في لحيتي ؟ فقال : أما أنه قد أعلمني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله إنك تسألني عن هذا ، فوالله ما في رأسك شعرة إلا وتحتها ملك يلعنك ولا في جسدك شعرة إلا وفيها شيطان يهزك ، وإن في بيتك لسخلا يقتل الحسين ابن رسول الله ، قال أبو جعفر عليه السلام : وعمر بن سعد لعنه الله يومئذ يحبو (3) .
____________
1 ـ أعيان الشيعة 1 | 448 الطبعة الكبيرة . غزوات أمير المؤمنين | 54 . أعلام الورى | 169 .
2 ـ الغدير 6 | 193 و 194 وج 7 | 107 و 108 .
3 ـ الارشاد 1 | 331 بسنده عن زكريا بن يحيى القطان ، عن فضل بن الزبير عن أبي الحكم قال : سمعت مشيختنا وعلماءنا يقولون ـ الحديث ـ أعلام الورى | 186 . البحار 44 | 256 . شرح ابن أبي الحديد 1 | 253 نقلا عن كتاب الغارات لابي هلال الثقفي . كامل الزيارات | 74 .
ومن دلائله عليه السلام عند موته
وبإسناد مرفوع إلى الحسن بن أبي الحسن البصري قال : سهر علي عليه السلام في الليلة التي ضرب في صبيحتها ، فقال : أني مقتول لو قد أصبحت فجاء مؤذنه بالصلاة فمشى قليلا فقالت إبنته زينب يا أمير المؤمنين مر جعدة (1) يصلي بالناس فقال : لا مفر من الاجل ثم خرج (2) .
وفي حديث آخر قال :
جعل عليه السلام يعاود مضجعه فلا ينام ، ثم يعاود النظر في السماء ، ويقول : والله ما كذبت ولا كذبت ، وإنها لليلة التي وعدت . فلما طلع الفجر شد إزاره وهو يقول :
اشدد حيازيمك للموت
فإن المـوت لاقيـكا
ولا تجزع من الموت
وإن حـل بـواديكـا
وخرج عليه السلام . فلما ضربه ابن ملجم ـ لعنه الله ـ قال : فزت ورب الكعبة . . . وكان من أمره ما كان صلوات الله عليه (3) .
____________
1 ـ جعدة بن هبيرة إبن اخت أمير المؤمنين وامه ام هاني بنت أبي طالب وكان فقيها فارسا شجاعا ذا لسان وعارضة قوية .
2 ـ سفينة البحار 1 | 157 وفيه : قالت ام كلثوم يا أمير المؤمنين مر جعدة يصلي بالناس قال : نعم مروا جعدة فليصل . روضة الواعظين | 135 .
3 ـ الصواعق المحرقة | 80 . روضة الواعظين | 136 . نظم درر السمطين | 137 . فضائل الخمسة 3 | 66 .
وروى عن جعفر بن محمد عليه السلام ، انه لما غسل أمير المؤمنين عليه السلام ، نودوا من جانب البيت إن أخذتم مقدم السرير كفيتم مؤخره ، وإن أخذتم مؤخره كفيتم مقدمه . وأشار عليه السلام إلى أن الملائكة قالت ذلك (1) .
وأنا الآن مورد بمشية الله ، بعد ذكر الدلائل والاعلام ، خواص أخباره عليه السلام ، وفصولا من كلامه ، ومواعظه ، وحكمه ، ويسيرا من قضاياه العجيبة ، وأجوبته عن المسائل الغريبة على الشرط في الاختصار والاقتصار غير ذاكر شيئا من خطبه الطوال ، وكتبه إلى ولاة الاعمال ، ولا شرح سيرته في خلافته ، وذكر الاحداث والحروب في أيامه ، وفضائله التي إشترك الناس في روايتها وهي أظهر من إن يشار إليها ، لان جميع ذلك قائم بذاته ، ومشهور في مواضعه .
* حدثني هارون بن موسى ، قال : حدثني محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد بن يحيى ، عن الوليد بن أبان ، عن محمد بن عبد الله بن مسكان عن أبيه ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام ، إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب عليه السلام تبشره بمولد النبي صلى الله عليه وآله ، فقال لها أبو طالب : إصبري سبتا إنك بمثله إلا النبوة (2) .
قال : والسبت ثلاثون سنة ، وكان بين مولد النبي ، وأمير المؤمنين عليهما السلام ثلاثون سنة .
حدثني هارون بن موسى ، قال : حدثني محمد بن يعقوب ، عن علي بن محمد بن عبد الله ، عن السياري عن محمد بن جمهور عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن فاطمة بنت أسد عليها السلام ـ ام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ كانت أول إمراة هاجرت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه ـ من مكة
____________
1 ـ روضة الواعظين | 136 .
2 ـ اصول الكافي 1 | 452 . روضة الواعظين | 81 . فاطمة بنت أسد ـ خ ـ . البحار 35 | 6 .
إلى المدينة على قدميها ، وكانت من أبر الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ان الناس يحشرون يوم القيامة عراة كما ولدوا ، فقالت : واسوأتاه . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله فأني أسأل الله أن يبعثك كاسية .
وسمعته يذكر ضغطة القبر ، فقالت : واضعفاه ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه : فإني أسأل الله أن يكفيك ذلك .
وقالت لرسول الله ، صلى الله عليه ، يوما : إني أريد أن أعتق جاريتي هذه فقال لها : إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار ، فلما مرضت أوصت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأعتقت الجارية المقدم ذكرها .
* واعتقل لسانها فجعلت تومى إلى رسول الله ـ عليه السلام ـ إيماء فقبل عليه السلام وصيتها . فبينا هو ـ صلى الله عليه ـ ذات يوم قاعدا إذ أتاه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ما يبكيك ؟ قال إن امي فاطمة قد قضت فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وأمي والله . وقام صلى الله عليه وآله مسرعا ، حتى دخل فنظر إليها ، وبكى ، ثم أمر النساء أن يغسلنها . وقال عليه السلام : إذا فرغتن فلا تحدثن شيئا حتى تعلمنني ، فلما فرغن أعلمنه ذلك فأعطاهن أحد قميصيه ، وهو الذي يلى جسده وأمرهن أن يكفنها فيه ، وقال للمسلمين : إذا رأيتموني قد فعلت شيئا لم أفعله قبل ذلك فاسألوني لم فعلته ؟ فلما فرغن من تغسيلها ، وتكفينها دخل ـ صلى الله عليه وآله ـ فحمل جنازتها حتى أوردها قبرها ثم وضعها ، ودخل القبر فاضطجع فيه ، ثم قام فأخذها على يديه حتى وضعها في القبر ثم انكب عليها طويلا يناجيها ، ويقول لها إبنك إبنك . ثم خرج وسوى عليها التراب ، ثم انكب على قبرها فسمعوه يقول : لا اله الا الله اللهم اني أستودعها إياك ، ثم إنصرف .
فقال المسلمون يارسول الله إنا رأيناك فعلت أشياء لم تفعلها قبل اليوم ، فقال : اليوم فقدت أبا طالب ، إن كانت ليكون عندها الشيء فتؤثرني به على
نفسها ، وولدها ، وإني ذكرت القيامة وأن الناس يحشرون عراة ، فقالت : واسوأتاه فضمنت لها أن يبعثها الله كاسية ، وذكرت ضغطة القبر ، فقالت : واضعفاه فضمنت لها أن يكفيها الله ذلك ، فكفنتها بقميصي ، واضطجعت في قبرها لذلك ، وانكببت عليها فلقنتها ما تسأل عنه ، فانها سئلت عن ربها فقالت : وسئلت عن رسولها فأجابت ، وسئلت عن وليها وإمامها فأرتج عليها فقلت لها : إبنك إبنك (1) .
وروي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لما أجمع على المضي إلى تبوك ناجى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فأطال فقال أبو بكر لعمر : لقد أطال مناجاته لابن عمه ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما أنا ناجيته ، ولكن الله ناجاه ، وفي ذلك يقول حسان :
ويوم الثنية عنـد الوداع
وأجمع نحو تبـوك المضيا
تنــحى يودعه خاليـا
وقد وقف المسلمون المطيا
فقالوا يناجيه دون الانام
بل الله أدنـاه منـه نجيـا
علي فم أحمد يوحى إليه
كلاما بليغا ووحيا خفيا (2)
____________
1 ـ تنقيح المقال 3 | 81 . اصول الكافي 1 | 453 . دعائم الاسلام 2 | 361 . مسند الرسول 1 | 250 .
2 ـ حلية الاولياء 7 | 195 . كفاية الطالب | 282 . خصائص النسائي | 81 .
في تسميته عليه السلام بأمير المؤمنين في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله
وبإسناد مرفوع إلى جندب ، عن أمير المؤمنين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال : دخلت على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعنده أناس قبل أن تحتجب النساء فأشار بيده أن اجلس بيني ، وبين عائشة ، فقالت : تنح كذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ماذا تريدين من أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام (1) .
وبإسناد مرفوع إلى بريدة الاسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه أن يسلموا على علي عليه الصلاة والسلام بإمرة المؤمنين ، فقال عمر بن الخطاب : يارسول الله أمن الله أم من رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله : بل من الله ومن رسوله (2) .
____________
1 ـ الغدير 1 | 270 . سفينة البحار 1 | 29 . البحار 37 | 302 .
2 ـ البحار 37 | 304 . المناقب لابن شهراشوب 3 | 52 .
في ذكره أسماء آبائه عليه السلام التي لا يكاد يعرفها أكثر الناس
روي أن أمير المؤمنين عليه السلام ، خطب الناس ، فقال : أيها الناس من عرف نسبي وإلا فأنا أعرفة نسبي ، فقام إليه إبن الكواء ، فقال : أنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، حتى بلغ إلى قصي بن كلاب قال : أو تعرف لي نسبا غير هذا ؟ فقال : لا ، فقال : إن أبي سماني زيدا باسم قصي فأنا زيد بن عبد مناف بن عامر بن عمرو بن المغيرة بن زيد بن كلاب ، وإسم أبي طالب عبد مناف وإسم عبد المطلب عامر ، قال الشاعر فيه :
قـامت تبكيه عـلى قبره
من لـي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة
قـد ذل من ليس له ناصر
وإسم هاشم عمرو ، وفيه يقول الشاعر :
عمرو العلى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف (1)
وإسم عبد مناف المغيرة ، قال الشاعر فيه وفي إخوانه :
إن المغيـرات وأبنـاءهم * من غيـر أحيـاء وأموات
يعني عبد مناف واخوته وسماهم كلهم المغيرات لان فيهم المغيرة ، ومثل هذا كثير في كلام العرب . وإسم قصى زيد قال الشاعر (2) :
____________
1 ـ البيت لعبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي شاعر قريش في الجاهلية مات نحو 15 هـ كان شديدا على المسلمين . الطبقات الكبرى 1 | 76 . الشعر والشعراء | 132 .
2 ـ البيت من شعر حذافة بن غانم العدوي ... الطبقات الكبرى 1 | 71 .
قصي أبوكم كان يدعى مجمعـا
به جمع الله القبـائـل من فـهـر
وأنتم بنو زيـد وزيـد أبوكـم
به زيدت البطحاء فخرا على فخر (1)
____________
1 ـ الكامل في التاريخ 2 | 6 . الطبري 2 | 179 . ثمار القلوب | 89 . نهاية الارب 16 | 33 . تاريخ اليعقوبي 1 | 201 .