onf2

 اللاعنف السياسي 

- سياسة اللاعنف

بين الحين والآخر يعاود البعض تساؤلاته حول سياسة الإسلام قائلا: يا تُرى هل للإسلام سياسة خاصّة؟

وإذا كانت له فما هي؟

وما هو الفارق بين سياسة الإسلام والسياسة الغربية أو الشرقية؟

وهل إنّ سياسة الإسلام تختلف عن سائر سياسات الرسالات السماوية السابقة؟

والجواب: نعم الإسلام يشتمل على أفضل برنامج في المجال السياسي وفي إدارة البلاد والعباد، على تفصيل ذكرناه في بعض كتبنا (1)، ومن مقومات السياسة الإسلامية: السلم واللاعنف في مختلف مجالات الحياة، ومع مختلف الأطراف. 

 

- سياسة السماء

يكفي الإنسان أن يلقي نظرة سريعة على الآيات والروايات الشريفة المتطرّقة إلى منهجية الرسالات السالفة في إدارة البلاد وهداية العباد، فيتجلّى له واضحاً أنّ كافة الرسالات السماوية كانت لها سياسة واحدة قد دعا إليها جميعها.

والسؤال هنا: ما هي تلك السياسة التي اتّفقت عليها رسالات السماء ؟

الجواب: إنّها سياسة اللين واللاعنف والغضّ عن إساءة الآخرين .

فهذا هابيل عندما هدّده أخوه بالقتل أجابه مباشرةً بجواب يكشف عن التزامه بسياسة السماء الداعية إلى اللين واللاعنف حيث قال : (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِي إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (2).

وقال الطبرسي(رحمه الله) في مجمع البيان في تفسير هذه الآية : وقيل إنّ معنى الآية : (لئن بسطت إليّ يدك) على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك على وجه الظلم والابتداء(3).

ثمّ علّل التزامه باللين واللاعنف قبال تهديدات أخيه قائلا : (إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) .

وقد ورد في الحديث: إنّ نبي الله إبراهيم (ع) كان ملتزماً باللين واللاعنف إلى أبعد حدّ، ففي أحد الأيّام جاءه رجل وآذاه كثيراً وشتمه! فقال له : هداك الله(4).

وعندما أمر الله تعالى نبيه موسى (ع) ووصيّه هارون (ع) بالذهاب إلى فرعون الطاغية، أوصاهما بالتزام اللين واللاعنف إبّان دعوته إلى الله، فقال عزّ من قائل: (فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً) (5).

وعن الإمام موسى بن جعفر (ع) في سؤال محمّد بن أبي عمير حول هذه الآية قال: (أمّا قوله (فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً) أي كنّياه وقولا له يا أبا مصعب، وكان كنية فرعون أبا مصعب) (6).

والكناية نوع احترام ولين في الكلام.

وكذلك التزم نبيّ الله عيسى (ع) بقانون اللين واللاعنف في دعوته، بل كان يوصي أتباعه به حيث قال لبعضهم يوماً : ( ما لا تحبّ أن يفعل بك فلا تفعله بأحد وإن لطم خدّك الأيمن فأعط الأيسر) (7). 

 

- سياسة الإسلام

جولة سريعة في رحاب الآيات الكريمة والروايات الشريفة يتجلّى بوضوح أنّ الإسلام العزيز ليس فقط لا يدعو إلى العنف وأساليبه في شتّى المجالات، وإنّما سياسته على خلاف ذلك تماماً حيث إنّها تؤكّد على اللين واللاعنف .

فمن أبرز معالم سياسة الإسلام الداعية إلى اللاعنف هو:

حرمة الدماء :

إنّ الإسلام أخذ يؤكد على مسألة حرمة الدم والدماء، وعدم إراقتها تأكيداً بالغاً قلما تراه في مسائل أخرى، فهناك العديد من الآيات والروايات سلّطت الأضواء على قداسة الدماء وحرمتها.

قال أمير المؤمنين (ع) في عهده إلى مالك الأشتر : ( وإيّاك والدماء وسفكها بغير حلّها، فإنّه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقّها، والله سبحانه وتعالى مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوّين سلطانك بسفك دم حرام، فانّ ذلك ممّا يضعفه ويوهنه ويزيله وينقله ولا عذر لك عند الله

ولا عندي في قتل العمد لأن فيه قود البدن، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو يدك بالعقوبة فإنّ في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقّهم)(8).

وعن أبي جعفر (ع) قال : قال رسول الله (ص): ( أوّل ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف إبنا آدم فيفصل بينهما، ثمّ الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتّى لا يبقى منهم أحد، ثمّ الناس بعد ذلك حتّى يأتي المقتول يقاتله فيتشخّب في دمه وجهه، فيقول : هذا قتلني، فيقول : أنت قتلته؟ فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً ) (9).

وعن أبي عبد الله(ع) قال : ( لا يدخل الجنّة سافك للدم، ولا شارب الخمر، ولا مشّاء بنميم)(10).

وفي القرآن الحكيم قال تعالى: (مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (11).

حرمة الأعراض :

هناك مسألة اُخرى نالت اعتناء الشارع المقدّس وتأكيداته الكثيرة الداعية إلى اللاعنف .. ألا وهي مسألة حفظ الأعراض، فانّ للأعراض عند الإسلام قداسة خاصّة وحرمة شديدة بالغت الآيات والروايات في بيان حرمتها وقداستها.

ومن هذا المنطلق فانّ العديد من الأخبار كشفت عن عظمة عقاب من يسمح لنفسه بممارسة العنف إزاء أعراض الآخرين عبر الاغتصاب وما أشبه .

فعن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله (ع) قال : سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلمّا جمع الثياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها فتحرّك إبنها فقام فقتله بفأس كان معه فلمّا فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد؟

فقال أبو عبدالله (ع): ( اقض على هذا كما وصفت لك )، فقال : يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه ديّة الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها، إنّه زان وهو في ماله غريمة، وليس عليها في قتله إيّاه شيء، قال رسول الله(ص): (من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا ديّة له ولا قود ) (12).

اللاعنف مع الرعية

على رأس المسائل المهمّة التي نالت اعتناء الشارع المقدّس وتأكيدات الرسول الأكرم (ص) والأئمّة الأطهار(ع) هي مسألة اللاعنف مع الرعية، فبين الفترة والاُخرى تجد أنّ الرسول الأعظم(ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) يوصون الولاة فضلا عن السلاطين والحكّام بالرفق برعيتهم وعدم البطش بهم .

فلمّا اُستُخلف عثمان بن عفّان آوى إليه عمّه الحكم بن العاص وولده مروان والحارث بن الحكم ووجّه عمّاله في الأمصار وكان فيمن وجّه عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبي العاص بن اُميّة إلى مُشكان، والحارث بن الحكم إلى المدائن، فأقام فيها مدّة يتعسّف أهلها ويسيء معاملتهم، فوفد منهم إلى عثمان وشكوا إليه وأعلموه بسوء ما يعاملهم به وأغلظوا عليه في القول، فولّى حذيفة بن اليمان عليهم وذلك في آخر أيّامه، فلم ينصرف حذيفة بن اليمان من المدائن إلى أن قتل عثمان واستخلف الإمام علي بن أبي طالب (ع)، فأقام حذيفة عليها وكتب إليه:

(بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى حذيفة بن اليمان، سلام عليكم، فإنّي ولّيتك ما كنت تليه لمن كان قبل حرف المدائن .. ) إلى أن يقول (ع): ( وإنّي آمرك بتقوى الله وطاعته في السرّ والعلانية فاحذر عقابه في المغيب والمشهد، وأتقدّم إليك بالإحسان إلى المحسن والشدّة على المعاند، وآمرك بالرفق في اُمورك واللين والعدل في رعيتك فإنّك مسؤول عن ذلك، وانصاف المظلوم والعفو عن الناس وحسن السيرة ما استطعت فالله يجزي المحسنين ) (13).

وقد بعث أمير المؤمنين (ع) إلى بعض عمّاله كتاباً يأمره فيه بالتزام اللين واللاعنف في التعامل مع الرعية حيث قال فيه (ع): (أمّا بعد، فإنّك ممّن استظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأسدّ به لهاة الثغر المخوف، فاستعن بالله على ما أهمّك، وأخلط الشدّة بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدّة حين لا تغني عنك إلاّ الشدّة، واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والإرشاد والتحيّة، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك، والسلام ) (14). 

 

- عهد الإمام (ع) إلى مالك الأشتر

وفي عهد أمير المؤمنين (ع) إلى مالك الأشتر لمّا ولاّه مصر قال:

(وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبّة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فانّهم صنفان، إمّا أخ لك في الدين وإمّا نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاّك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم، ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنّه لا يد لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة ،ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولنّ إنّي مؤمّر أمر فأطاع، فإنّ ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرّب من الغير ) (15). 

 

- اللاعنف إزاء المعارضة

بلغت سياسة الإسلام في اللاعنف والسلم، قدراً من القداسة بحيث إنّها أتاحت المضمار لشتّى الطوائف على مختلف مشاربهم وأفكارهم في أن يبدوا آراءهم واعتراضاتهم إزاء كلّ شاردة وواردة تطرأ على الساحة، وهذا ما يسمى بحرية المعارضة وحقوقها.

ففي عهد رسول الله (ص) ممثّل الإسلام الأوّل ورافع راية النبوّة الخاتمة كان المعارضون حتى من غير المسلمين، يبدون اعتراضاتهم بكلّ صراحة ودون أيّة مخافة، وكان رسول الله (ص) يتقبّل ذلك بصدر رحب ويتعامل معهم بكلّ حفاوة واحترام ولم يلجأ يوماً ما إلى العنف والبطش معهم أبداً .

وكذلك الحال بالنسبة إلى أمير المؤمنين(ع) إذ أنّه (ع) عندما انتهت إليه الخلافة أخذ البعض يبدي اعتراضاته ومخالفته، إلاّ أنّه(ع) لم يعاقب أحداً بذلك، بل كان في بعض الأحيان يخبرهم بما يضمرون ويغضّ الطرف عنهم . 

- إنّما أردتما الغدر

روي أنّ أمير المؤمنين (ع) قال لطلحة والزبير حين استأذناه في الخروج إلى العمرة : لا والله ما تريدان العمرة وإنّما تريدان البصرة، فكان الأمر كما قال.

وقال (ع) لابن عبّاس وهو يخبره عن استئذانهما له في العمرة : إنّني أذنت لهما مع علمي بما قد انطويا عليه من الغدر واستظهرت بالله عليهما، وإنّ الله تعالى سيردّ كيدهما ويظفرني بهما(16).

وقال (ع) في خطبة له في ذي القار مصرّحاً عن سماحة الإسلام وعظمة سياسته اللاعنفية الداعية إلى إتاحة الحرّيات للآخرين حتّى للمعارضة :

وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في وجهيهما والنكث في عينيهما، ثمّ استأذنا في العمرة فأعلمتهما أنّ ليس العمرة يريدان، فسارا إلى مكّة واستخفا عائشة وخدعاها وشخص معها أبناء الطلقاء فقدموا البصرة وقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر، ويا عجباً لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما عليَّ وهما يعلمان أنّي لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت، ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتاباً يخدعهما فيه فكتما عنّي وخرجا يوهمان الطغام أنّهما يطلبان بدم عثمان(17). 

 

- يا قاتل الأحبّة!

وقد ورد انّه بعد واقعة الجمل قالت صفيّة بنت الحارث زوجة عبدالله بن خلف الخزاعي للإمام علي (ع): يا قاتل الأحبّة، يا مفرّق الجماعة!، فقال الإمام (ع) : إنّي لا ألومك أن تبغضيني يا صفيّة وقد قتلت جدّك يوم بدر وعمّك يوم اُحد وزوجك الآن، ولو كنت قاتل الأحبّة لقتلت من في هذه البيوت، ففتّش فكان فيها مروان وعبدالله بن الزبير(18).

ولا يخفى أن القتل كان في ميدان الحرب ودفاعاً عن المسلمين. 

 

- من نولّي أمر الجنود؟

ربما يتصوّر البعض أنّ القائد العسكري حتّى يكون موفّقاً فلابدّ أن يكون عنيفاً بحيث لا تعرف الرأفة والرحمة إلى قلبه سبيلا.

ولكن هذا التصوّر ليس بصحيح، فليس العنف والبطش هما سر نجاح القائد العسكري الموفّق، بل على العكس تماماً ينبغي للقائد العسكري أن يكون ليّناً رؤوفاً مضافاً إلى لزوم كونه شجاعاً وقوياً وحكيماً، فالقائد يميل دائماً إلى الرفق واللاعنف خصوصاً مع الجنود الذين يدافعون عن ثغور البلاد الإسلامية .

فمن وصيّة أمير المؤمنين (ع) إلى مالك الأشتر قائلا : (ولِّ أمر جنودك أفضلهم في نفسك حلماً، وأجمعهم للعلم وحُسن السياسة وصالح الأخلاق، ممّن يبطئ عن الغضب، ويسرع إلى العذر ويراقب الضعيف ولا يُلحّ على القوي، ممّن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف، والصق بأهل العفّة والدين والسوابق الحسنة، ثمّ بأهل الشجاعة منهم، فإنّهم جُمّاع الكرم وشعبه من العزّ ودليل على حسن الظنّ بالله والإيمان به، ثمّ تفقّد من اُمورهم ما يتفقّده الوالد من ولده، ولا يعظمنّ في نفسك شيء أعطيتهم إيّاه، ولا تحقّرن لهم لطفاً تلطفهم به، فإنّه يرفق بهم كلّ ما كان منك إليهم وإن

قلّ، ولا تدعنّ تفقّد لطيف اُمورهم اتّكالا على نظرك في جسيمها...) (19). 

 

- اللاعنف في الحروب

إحدى الدلائل المهمّة الدالّة على أنّ الإسلام لا يدعو إلى العنف والبطش هي مسألة الحروب والمعارك التي خاضها رسول الله(ص) والأئمّة الأطهار (ع) :

ففي التاريخ : أنّ رسول الله (ص) لمّا كان في مكّة المكرّمة لم يجهّز جيشاً للقتال أصلا، ولمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة وبعد أن فرض على المسلمين الجهاد بشرائطه التامّة المذكورة في كتب الفقه المفصّلة(20)، قاتل رسول الله (ص) المشركين ولكن قتاله لم يكن هجومياً وإنما معاركه كانت دفاعية.

من جانب آخر الوصايا السمحة التي كان يؤكّد عليها الرسول(ص) والأئمّة الأطهار (ع) قبل خوض كلّ حرب تكشف بوضوح أنّ الإسلام لا يستخدم القوّة والعنف إلاّ في أشد حالات الضرورة ومع القلّة من الناس ممّن لا تجدي معهم المواعظ الحسنة.

فمن تلك الوصايا المهمّة الداعية إلى اللاعنف في الحروب: 

 

- لا للدمار

عن أبي عبد الله(ع) إنّه قال : (كان رسول الله (ص): إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول :

سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله

لا تغلّوا

ولا تمثّلوا

ولا تغدروا

ولا تقتلوا شيخاً فانياً

ولا صبيّاً

ولا امرأة

ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها.

وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتّى يسمع كلام الله فإن تبعكم فأخوكم في الدين وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه) (21). 

 

- وصايا قبل الحرب

وفي وصيّة لأمير المؤمنين (ع) أوصى بها عسكره قبل لقاء العدو قال فيها :

( لا تقاتلوهم حتّى يبدؤوكم، فإنّكم بحمد الله على حجّة، وترككم إيّاهم حتّى يبدؤوكم حجّة اُخرى لكم عليهم.

فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً

ولا تصيبوا معوراً

ولا تجهّزوا على جريح

ولا تهيجوا النساء بأذى، وان شتمن أعراضكم، وسببن اُمراءكم، فانّهنّ ضعيفات القوى والأنفس والعقول، إنّا كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ وإنّهنّ مشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالقهر أو الهراوة فيعيّر بها وعقبه من بعده ) (22). 

 

- إعطاء الأمان

عن السكوني، عن أبي عبد الله (ع) انّه قال: قلت له : ما معنى قول النبي(ص) (يسعى بذمّتهم أدناهم) ؟

قال (ع): ( لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل فقال : أعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم واُناظره، فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به) (23).

وعن أبي عبد الله أو عن أبي الحسن (ع) قال : ( لو أنّ قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان، فقالوا : لا، فظنّوا أنّهم قالوا : نعم، فنزلوا إليهم كانوا آمنين ) (24). 

 

- العطف على الأسرى

على خلاف سيرة معظم الاُمم في تعاملهم مع الأسرى جاء الإسلام العزيز وحثّ المسلمين على الرفق بهم والعطف عليهم والتعامل معهم باللين واللاعنف .

يقول الإمام علي بن الحسين(ع): (إذا أخذت أسيراً فعجز عن المشي وليس معك محمل فأرسله ولا تقتله فإنّك لا تدري ما حكم الإمام فيه) (25).

وعن أبي عبد الله (ع) إنّه قال : ( إطعام الأسير حقّ على من أسره وإن كان يراد من الغد قتله، فإنّه ينبغي أن يطعم ويسقى ويظلّ ويرفق به، كافراً كان أو غيره ) (26).

وعن الشعبي قال : لمّا أسر علي(ع) الأسرى يوم صفّين وخلّى سبيلهم أتوا معاوية وقد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرهم معاوية اقتلهم فما شعروا إلاّ بأسراهم قد خلّى سبيلهم علي (ع)، فقال معاوية : يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر، ألا ترى قد خلّى سبيل أسرانا فأمر بتخلية من في يديه من أسرى علي(ع) وقد كان علي(ع) إذا أخذ أسيراً من أهل الشام خلّى سبيله إلاّ أن يكون قد قتل من أصحابه أحداً (27). 

 

- الدعوة إلى الإسلام

عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال أمير المؤمنين (ع): بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن قال : يا علي لا تقاتل أحداً حتّى تدعوه إلى الإسلام وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا علي) (28).

وعن الزهري أنّه قال : دخل رجال من قريش على علي بن الحسين (ع) فسألوه كيف الدعوة إلى الدين؟

قال: (تقول: بسم الله الرحمن الرحيم أدعوكم إلى الله عزّوجلّ وإلى دينه وجماعه أمران : أحدهما معرفة الله عزّوجلّ والآخر العمل برضوانه وإنّ معرفة الله عزّوجلّ أن يعرف بالوحدانية والرأفة والرحمة والعزّة والعلم والقدرة والعلوّ على كلّ شيء، وانّه النافع الضارّ، القاهر لكلّ شيء، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، القاهر لكلّ شيء، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأنّ ما جاء به هو الحقّ من عند الله عزّوجلّ وما سواه باطل، فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ) (29).

 

الهوامش:

(1) انظر: (الفقه: السياسة) و(الفقه: القانون) و(الفقه: طريق النجاة) و(السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين) و(المقدمة العقائدية) و(إلى حكم الإسلام).

(2) سورة المائدة : 28 ـ 29.

(3) مجمع البيان : ج3 ص317، سورة المائدة: 28.

(4) بحار الأنوار : ج12 ص20 ب2 قصص ولادته (ع) إلى كسر الأصنام.

(5) سورة طه : 44.

(6) تفسير نور الثقلين : ج4 ص415 ـ 416.

(7) بحار الأنوار : ج14 ص287 ب21 ح10.

(8) نهج البلاغة، الرسائل 53: من كتاب له (ع) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

(9) وسائل الشيعة : ج29 ص12 ب1 ح35026.

(10) وسائل الشيعة : ج29 ص13 ب1 ح35029.

(11) سورة المائدة: 32.

(12) وسائل الشيعة : ج29 ص62 ب23 ح35155.

(13) بحار الأنوار : ج28 ص87 ـ 88 ب3 ح3.

(14) نهج البلاغة، الرسائل 46: من كتاب له (ع) إلى بعض عماله.

(15) نهج البلاغة، الرسائل 53: من كتاب له (ع) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

(16) الإرشاد : ج1 ص315.

(17) الجمل، للمفيد : ص268 خطبة أخرى لأمير المؤمنين (ع) بذي قار.

(18) بحار الأنوار : ج31 ص310 ب114.

(19) نهج البلاغة، كتاب 53: من كتاب له (ع) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

(20) راجع موسوعة الفقه: ج47-48 كتاب الجهاد.

(21) الكافي : ج5 ص27 ـ 28 باب وصية رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) في السرايا ح1.

(22) نهج البلاغة، الرسائل 14: من وصية له (ع) لعسكره قبل لقاء العدد بصفين.

(23) الكافي : ج5 ص30 ـ 31 باب إعطاء الأمان ح1.

(24) الكافي : ج5 ص31 باب إعطاء الأمان ح4.

(25) الكافي : ج5 ص35 باب الرفق بالأسير وإطعامه ح1.

(26) الكافي : ج5 ص35 باب الرفق بالأسير وإطعامه ح2.

(27) مستدرك الوسائل : ج11 ص50 ب21 ح12406.

(28) الكافي : ج5 ص28 باب وصية رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) في السرايا ح4.

(29) الكافي : ج5 ص36 باب الدعاء إلى الإسلام قبل القتال ح1.

 

الفصل السابع.. من معالم اللاعنف 

- مظاهر اللاعنف

هناك عدّة اُمور تتجلّى فيها حقيقة اللاعنف الذي طالما أكّد عليه الشارع المقدّس ودعا إليه الرسول الأعظم (ص) وأهل بيته الأطهار(ع)، فمن أبرز هذه الاُمور هو :


- اللاعنف في القول

عندما يطبّع الإنسان نفسه على اللين واللاعنف، فإنّ آثار ذلك يوماً بعد آخر ستنعكس على سائر جوارحه وجوانحه ...

ومن تلك الجوارح المهمّة التي طالما أكّد الإسلام على تطبيعها باللاعنف هو اللسان، ذلك العضو الذي كثيراً ما يأخذ بيد الإنسان إمّا إلى الهلاك والضياع المحتوم أو إلى السعادة والفلاح في

الدارين.

لذلك ـ ومن هذا الباب ـ فإنّ العديد من الروايات أخذت تؤكّد على مسألة اللين في القول، وعدم التهجّم على الآخرين عبر اللسان سواء أكان من خلال السباب والفحش أم بغيرهما من أساليب العنف باللسان.


- لا تكونوا فحّاشين

عن رسول الله (ص) : ( إنّ الله حرّم الجنة على كلّ فحّاش بذي قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، فانّك إن فتّشته لم تجده إلاّ لغية أو شرك شيطان.

فقيل: يا رسول الله وفي الناس شرك شيطان ؟

فقال رسول الله (ص): (أما تقرأ قول الله عزّوجلّ: (وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد) (1)).

قال: وسأل رجل فقيهاً هل في الناس من لا يبالي ما قيل له؟

قال : من تعرّض للناس يشتمهم وهو يعلم أنّهم لا يتركونه فذلك الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه )(2).

وعن أبي جعفر (ع) قال : (إنّ الله يبغض الفاحش المتفحّش) (3).

وعن عمر بن نعمان الجعفي قال : كان لأبي عبد الله (ع) صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في الحذّاءين ومعه غلام سندي يمشي خلفهما إذا التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرّات فلم يره، فلمّا نظر في الرابعة قال: يا بن الفاعلة أين كنت؟

قال: فرفع أبو عبد الله (ع) يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثمّ قال: ( سبحان الله تقذف اُمّه قد كنت أرى لك ورعاً فإذا ليس لك ورع).

فقال: جعلت فداك اُمّه سندية مشركة.

فقال : ( أما علمت أنّ لكلّ اُمّة نكاحاً، تنحّ عنّي).

قال : فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق الموت بينهما(4).

وعن أبي عبد الله (ع) قال: (كان في بني إسرائيل رجل فدعا الله أن يرزقه غلاماً ثلاث سنين، فلمّا رأى أنّ الله لا يجيبه قال: ياربّ أبعيد أنا منك فلا تسمعني أم قريب منّي فلا تجيبني، قال فأتاه آت في منامه، فقال: إنّك تدعو الله عزّوجلّ منذ ثلاث سنين بلسان بذي وقلب عات غير تقي ونيّة غير صادقة فاقلع عن بذائك وليتّق الله قلبك ولتحسن نيّتك، قال: ففعل الرجل ذلك ثمّ دعا الله فولد له غلام ) (5).

وقال أبو عبد الله (ع): ( إنّ الفحش والبذاء والسلاطة من النفاق) (6).

وعن سماعة قال: دخلت على أبي عبد الله (ع)، فقال لي مبتدئاً: (يا سماعة ما هذا الذي كان بينك وبين حمّالك ؟ إيّاك أن تكون فحّاشاً أو صخّاباً أو لعّاناً).

فقلت: والله لقد كان ذلك أنّه ظلمني.

فقال: (إن كان ظلمك لقد أربيت عليه(7) إنّ هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي، استغفر الله ولا تعد).

قلت: أستغفر الله ولا أعود(8).


- احفظوا ألسنتكم

عن أبي علي بن الجوّاني قال : شهدت أبا عبد الله (ع) وهو يقول لمولى له يقال له سالم ووضع يده على شفتيه وقال: (يا سالم احفظ لسانك تسلم، ولا تحمل الناس على رقابنا) (9).

وقال رسول الله (ص): (نجاة المؤمن في حفظ لسانه) (10).

وعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر(ع) يقول: ( كان أبوذر(رحمه الله) يقول : يا مبتغي العلم إنّ هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شرّ، فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقتك) (11).

وعن الإمام علي بن الحسين (ع) قال: ( إنّ لسان ابن آدم يشرف على جميع جوارحه كلّ صباح، فيقول كيف أصبحتم ؟ فيقولون: بخير إن تركتنا، ويقولون الله الله فينا، ويناشدونه ويقولون: إنّما نثاب ونعاقب بك ) (12).

وقال أمير المؤمنين (ع): ( اللسان سبع عقور إن خلّي عنه عقر) (13).

عن سليمان بن مهران قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمّد (ع) وعنده نفر من الشيعة فسمعته وهو يقول: ( معاشر الشيعة كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً ، قولوا للناس حسناً واحفظوا ألسنتكم وكفّوها عن الفضول وقبح القول) (14).

وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (ع) قال: (يا فضيل بلّغ من لقيت من موالينا السلام وقل لهم إنّي لا اُغني عنهم من الله شيئاً إلاّ بورع، فاحفظوا ألسنتكم وكفّوا أيديكم وعليكم بالصبر والصلاة إنّ الله مع الصابرين) (15).

وعن أبي عبد الله (ع) في رسالته إلى أصحابه قال: (فاتّقوا الله وكفّوا ألسنتكم إلاّ من خير) (16).

وقال رسول الله (ص): (يعذّب اللسان بعذاب لا يعذّب به شيء من الجوارح، فيقول أي ربّ عذّبتني بعذاب لم تعذّب به شيئاً من الجوارح، قال: فيقال: خرجت منك كلمة بلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدم الحرام، واُخذ بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام، فوعزّتي لاُعذّبنّك بعذاب لا اُعذّب به شيئاً من جوارحك ) (17).

وقال رسول الله (ص): ( رحم الله عبداً تكلّم فغنم أو سكت فسلم، إنّ اللسان أملك شيء للإنسان، ألا وإنّ كلام العبد كلّه عليه إلاّ ذكر الله تعالى أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح بين المؤمنين).

فقال له معاذ بن جبل: يا رسول الله (ص) أنؤاخذ بما تتكلّم؟

فقال له: (وهل تكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم، فمن أراد السلامة فليحفظ ما جرى به لسانه) (18). 

 

- اللاعنف مع الحيوان

لم تقتصر دعوة الإسلام العزيز على اللاعنف فيما بين بني البشر وحسب، وإنّما تعدّت وصاياه عن ذلك لتشمل تعامل الإنسان مع سائر الموجودات الاُخرى .

فمن خلال الروايات يتجلّى واضحاً أنّ الإسلام يدعو إلى اللاعنف واللين حتّى مع الحيوانات، ففي الحديث عن رسول الله(ص) قال: (للدابّة على صاحبها خصال، يبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مرّ به، ولا يضرب وجهها فإنّها تسبّح بحمد ربّها .. ولا يحمّلها فوق طاقتها ولا يكلّفها من المشي إلاّ ما تطيق) (19).

وقال أمير المؤمنين(ع) في الدواب : (لا تضربوا الوجوه، ولا تلعنوها، فانّ الله عزّوجلّ لعن لاعنها) (20).

وقال رسول الله (ص): (لا تتورّكوا على الدواب ولا تتّخذوا ظهورها مجالس) (21).

وقال (ص): (إنّ الله يحبّ الرفق ويعين عليه، فإذا ركبتم الدواب العجف فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض مجدبة فأنجوا عنها، وإن كانت مخصبة فأنزلوها منازلها) (22).

وقال رسول الله (ص): ( للدابة على صاحبها خصال، حتّى قال: ولا يضرب وجهها فإنّها تسبّح بحمد ربّها ولا يقف على ظهرها إلاّ في سبيل الله عزّوجلّ ولا يحمّلها فوق طاقتها ولا يكلّفها من المشي إلاّ ما تطيق ) (23).

وعن النبي (ص) انّه أبصر ناقة معقولة وعليها جهازها، فقال: ( أين صاحبها؟ مروه فليستعد غداً للخصومة) (24).

وعن أبي عبد الله(ع) قال: (حجّ علي بن الحسين (ع) على راحلته عشر حجج ما قرعها بسوط، ولقد بركت به سنة من سنواته فما قرعها بسوط) (25).

وعن الإمام الصادق (ع) قال: ( للدابّة على صاحبها سبعة حقوق : لا يحمّلها فوق طاقتها، ولا يتّخذ ظهرها مجلساً يتحدّث عليه، ويبدأ بعلفها إذا نزل، ولا يسمها في وجهها، ولا يضربها في وجهها فإنّها تسبّح، ويعرض عليها الماء إذا مرّ به، ولا يضربها على النفار، ويضربها على العثار، لأنّها ترى ما لا ترون) (26).

وقال رسول الله (ص): (لا تسبّوا الديك فانّه يوقظ للصلاة) (27).

وفي حديث آخر قال (ص): (لا تسبّوا الديك فانّه يدلّ على مواقيت الصلاة) (28).

وقال (ص) في حديث ثالث: (لا تسبّوا الديك فانّه صديقي، وأنا صديقه، وعدوّه عدوّي، والذي بعثني بالحقّ لو يعلم بنو آدم ما في قترته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب والفضّة وانّه يطرد مذمومة من الجنّ) (29).

وروي: أنّ صبيين توثّبا على ديك فنتفاه، فلم يدعا عليه ريشه، وشيخ قائم يصلّي لا يأمرهم ولا ينهاهم قال : فأمر الله الأرض فابتلعته(30).

وعن رسول الله (ص) قال : (دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) (31).

وعن أبي الحسن الرضا (ع) عن أبيه عن جدّه(ع)، قال: (لا تأكلوا القنبرة ولا تسبّوها ولا تعطوها الصبيان يلعبون بها فإنّها كثيرة التسبيح لله تعالى وتسبيحها لعن مبغضي آل محمّد (ص) ) (32).

وعن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قتل الخطّاف وإيذائهنّ في الحرم، فقال: (لا يقتلن، فإنّي كنت مع علي ابن الحسين (ع) فرآني وأنا اُوذيهنّ، فقال لي: يا بني لا تقتلهنّ ولا تؤذهنّ، فإنّهنّ لا يؤذين شيئاً) (33).

وعن علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى (ع) عن الهدهد وقتله وذبحه، فقال: (لا يؤذي ولا يذبح، فنعم الطير هو) (34).

وعن علي بن الحسين (ع) انّه نظر إلى حمام مكّة قال: (أتدرون ما سبب كون هذا الحمام في الحرم؟)

قالوا: ما هو يا بن رسول الله؟

قال: (كان في أوّل الزمان رجل له دار فيها نخلة قد آوى إلى خرق في جذعها حمام، فإذا فرّخ صعد الرجل فأخذ فراخه فذبحها، فأقام بذلك دهراً طويلا لا يبقى له نسل، فشكا ذلك الحمام إلى الله عزّوجلّ ممّا ناله من الرجل، فقيل له: إن رقى إليك بعد هذا فأخذ لك فرخاً صرع عن النخلة فمات، فلمّا كبرت فرخ الحمام رقى إليها الرجل ووقف لينظر إلى ما يصنع، فلمّا توسّط الجذع وقف السائل بالباب فأعطاه شيئاً ثمّ ارتقى فأخذ الفراخ ونزل بها فذبحها ولم يصبه شيء، فقال الحمام: ما هذا يا ربّ، فقيل له: إنّ الرجل تلافى نفسه بالصدقة فدفع عنه وأنت فسوف يكثر الله في نسلك ويجعلك وإيّاهم بموضع لا يهاج منهم شيء إلى أن تقوم الساعة، واُتي به إلى الحرم فجعل فيه) (35).

إلى غيرها من الروايات، وقد ذكرنا بعض حقوق الحيوان وأحكامه في كتاب (الفقه: حقوق الحيوان). 

 

- البيئة واللاعنف(36)

من خلال تأكيدات الرسول الأعظم (ص) وأهل بيته الأطهار (ع) قبل كلّ حرب كان يخوضها المسلمون يتجلّى واضحاً أنّ الإسلام العزيز يحرص بشدّة على حفظ البيئة وعدم تلويثها عبر الأعمال العنيفة غرار إلقاء السموم في المياه أو قلع الأشجار أو غيرها من الاُمور المؤثّرة في تلويث البيئة . 

 

- لا تقطعوا شجراً

قبل أن يبعث رسول الله (ص) أيّة سرية إلى القتال كان يدعوهم ويجلسهم بين يديه ويوصيهم بوصايا مهمّة تكشف للبشرية على مدى الزمان مدى اعتنائه (ص) باللاعنف وعنايته بالبيئة .

ففي الحديث عن أبي عبد الله (ع) قال: (كان رسول الله (ص) إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ... حتّى يقول: ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها) (37).

وفي وصيّة اُخرى لرسول الله (ص) لبعض السرايا قائلا فيها: (ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولاتحرقوا زرعاً) (38).

وقال أمير المؤمنين (ع): (نهى رسول الله (ص) أن يلقى السمّ في بلاد المشركين) (39).


- إماطة الأذى

إحدى الآثار الجليّة الكاشفة عن سماحة الإسلام ومدى حرصه على اللاعنف في حياة البشرية هي وصاياه المتعدّدة المنادية إلى قضاء حوائج الناس والسعي لإيصال النفع إليهم حتى بمقدار إماطة الأذى عن دربهم.

أجل، إنّ منهجية الإسلام السمحة تحثّ المسلمين بأن يكونوا غير عنيفين إلى أبعد الحدود ومما يدل على ذلك الروايات المنادية إلى إماطة الأذى عن الدرب حيث إنّ الإسلام لا يقبل أذيّة الناس حتى بهذا المستوى.

فقد قال النبي (ص): (الإيمان بضعة وسبعون ] ستّون [ شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) (40).

وقال رسول الله (ص): (دخل عبد الجنّة بغصن من شوك كان على طريق المسلمين فأماطه عنه)(41).

وعن أبي عبد الله (ع) قال: (لقد كان علي بن الحسين (ع) يمرّ على المدرة في وسط الطريق فينزل عن دابته حتّى ينحّيها بيده عن الطريق) (42).

وقال رسول الله (ص): (من أماط عن طريق المسلمين ما يؤذيهم كتب الله له أجر قراءة أربعمائة آية كلّ حرف منها بعشر حسنات) (43).

وقال رسول الله (ص): (مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذّب صاحبه، ثمّ مرّ به من قابل فإذا هو ليس يعذّب، فقال: يا ربّ مررت بهذا القبر عام أوّل فكان صاحبه يعذّب ثمّ مررت به العام فإذا هو ليس يعذّب ؟ فأوحى الله عزّوجلّ إليه: يا روح الله إنّه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقاً وآوى يتيماً فغفرت له بما عمل إبنه) (44).

وعن النبي (ص) قال: (إنّ على كلّ مسلم في كلّ يوم صدقة، فقيل له: ومن يطيق ذلك، قال (ص): إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجل إلى الطريق صدقة) (45). 

 

- اللاعنف مع الموالي والعبيد

العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) تحثّ المسلمين ـ خاصّة في صدر الإسلام ـ إلى العطف والتعامل بالتي هي أحسن مع العبيد والموالي.

أجل، إنّ الإسلام العزيز يريد من المسلمين أن يتطبّعوا على خصال الإيمان الواقعي التي منها اللين واللاعنف وأن لا يركنوا إلى البطش والعنف اللذين عادة ما يخرجان الإنسان عن حدود الإيمان ويدخلانه في متاهات لا أوّل لها ولا آخر .

فقد روي أنّ الإمام علي بن الحسين (ع) كان إذا دخل عليه شهر رمضان يكتب على غلمانه ذنوبهم، حتّى إذا كان آخر ليلة دعاهم ثمّ أظهر الكتاب وقال: يا فلان فعلت كذا ولم أُؤذيك، فيقرّون أجمع، فيقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا علي بن الحسين ربّك قد أحصى عليك ما علمت كما أحصيت علينا، ولديه كتاب ينطق بالحقّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، فاذكر ذلّ مقامك بين يدي ربّك الذي لا يظلم مثقال ذرّة وكفى بالله شهيداً، فاعف واصفح يعفُ عنك المليك لقوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ) (46) ويبكي وينوح) (47).

وهناك موقف آخر للإمام الصادق (ع) يتّضح منه مدى اعتنائه(ع) بمسألة اللين واللاعنف مع الموالي والعبيد حيث يقول أبو سفيان الثوري: دخلت على الإمام الصادق (ع) فرأيته متغيّر اللون فسألته عن ذلك، فقال: كنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت، فدخلت فإذا جارية من جواريّ ممّن تربّي بعض ولدي قد صعدت في سلّم والصبي معها، فلمّا بصرت بي ارتعدت وتحيّرت وسقط الصبيّ إلى الأرض فمات، فما تغيّر لوني لموت الصبي وإنّما تغيّر لوني لما أدخلت عليها من الرعب، وكان الإمام (ع) قد قال لها: (أنتِ حرّة لوجه الله لا بأس عليك ـ مرّتين) (48).

وعن حفص بن أبي عائشة، قال: بعث أبو عبد الله (ع) غلاماً له في حاجة له فأبطأ، فخرج أبو عبد الله (ع) على أثره لمّا أبطأ فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروّحه(49) حتّى انتبه، فلمّا انتبه قال له أبو عبد الله (ع): (يا فلان ! والله ما ذلك لك، تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار) (50).

 

الهوامش:

(1) سورة الإسراء: 64.

(2) الكافي : ج2 ص323 باب البذاء ح3.

(3) الكافي : ج2 ص323 باب البذاء ح4.

(4) الكافي : ج2 ص324 باب البذاء ح5.

(5) الكافي : ج2 ص324 ـ 325 باب البذاء ح7.

(6) الكافي : ج2 ص325 باب البذاء ح10.

(7) أربيت : إذا أخذت أكثر ممّا أعطيت .

(8) الكافي : ج2 ص326 باب البذاء ح14.

(9) الكافي : ج2 ص113 باب الصمت وحفظ اللسان ح3.

(10) الكافي : ج2 ص114 باب الصمت وحفظ اللسان ح9.

(11) الكافي : ج2 ص114 باب الصمت وحفظ اللسان ح10.

(12) الكافي : ج2 ص115 باب الصمت وحفظ اللسان ح13.

(13) وسائل الشيعة : ج12 ص192 ب119 ح16057.

(14) وسائل الشيعة : ج12 ص193 ب119 ح16063.

(15) وسائل الشيعة : ج12 ص195 ب119 ح16067.

(16) وسائل الشيعة : ج12 ص195 ب120 ح16073.

(17) مستدرك الوسائل : ج9 ص23 ب102 ح10096.

(18) مستدرك الوسائل : ج9 ص32 ب103 ح10123.

(19) من لا يحضره الفقيه : ج2 ص286 باب حق الدابة على صاحبها ح2465.

(20) من لا يحضره الفقيه : ج2 ص287 باب حق الدابة على صاحبها ح2469.

(21) من لا يحضره الفقيه : ج2 ص287 باب حق الدابة على صاحبها ح2471.

(22) الكافي : ج2 ص120 باب الرفق ح12.

(23) من لا يحضره الفقيه : ج2 ص286 باب حق الدابة على صاحبها ح2465.

(24) بحار الأنوار : ج61 ص203 ب8 ح5.

(25) بحار الأنوار : ج61 ص204 ب8 ح6.

(26) بحار الأنوار : ج61 ص202 ب8 ح2.

(27) بحار الأنوار : ج62 ص9 ب2 ح13.

(28) مكارم الأخلاق : ص130 ب6 ف9 فيما يتعلق بالمسكن.

(29) مكارم الأخلاق : ص130 ب6 ف9 فيما يتعلق بالمسكن.

(30) مستدرك الوسائل : ج12 ص184 ب1 ح13833.

(31) مستدرك الوسائل : ج8 ص303 ب44 ح9505.

(32) الكافي : ج6 ص225 باب القنبرة ح1.

(33) الكافي : ج6 ص224 باب الخطاف ح3.

(34) الكافي : ج6 ص224 باب الهدهد والصرر ح2.

(35) مستدرك الوسائل : ج7 ص174 ب8 ح7959.

(36) راجع موسوعة الفقه كتاب البيئة، للإمام الشيرازي (رحمه الله) حيث فصّل (قدس سره) البحث حول تلوّث البيئة وشخّص الأسباب في ذلك وطرح الحلول المناسبة لها .

(37) الكافي : ج5 ص27 باب وصية رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) في السرايا ح1.

(38) الكافي : ج5 ص29 باب وصية رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) في السرايا ح8.

(39) الكافي : ج5 ص28 باب وصية رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) في السرايا ح2.

(40) غوالي اللآلي : ج1 ص431 ب1 المسلك الثالث ح130.

(41) بحار الأنوار : ج72 ص49 ب41 ح1.

(42) بحار الأنوار : ج72 ص50 ب41 ح4.

(43) بحار الأنوار : ج72 ص50 ب41 ح3.

(44) بحار الأنوار : ج72 ص49 ب41 ح2.

(45) بحار الأنوار : ج72 ص50 ب41 ح4.

(46) سورة النور : 22.

(47) مناقب آل أبي طالب : ج4 ص158 فصل في علمه وحلمه وتواضعه (ع).

(48) بحار الأنوار : ج47 ص24 ب4 ح26.

(49) روّح عليه بالمروحة : حرّك يده بها ليستجلب له الريح .

(50) العوالم : ج2 ص193 ح2.

الكاتب: المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (قدس سره)

Holy Quran